
وعما تمسك به الثالث بأن عدم القتل إنما يتصور على تقدير علم الله تعالى أنه لا يقتل، ونحن لا نسلم لزوم الحال، وبأنه لا استحالة في قطع الأجل المقدر الثابت لولا القتل لأنه تقرير للمعلوم لا تغيير له، وعما ذهب إليه الفلاسفة بأنه مبني على قواعدهم من تأثير الطبيعة والمزاج، وهو باطل عندنا إذ لا تأثير إلا له سبحانه، وتلك الأمور عندنا أسباب عادية لا عقلية كما يرونها. تنبيهان الأول: ذهب كثير من المحققين والأستاذ إلى أن الخلف بيننا وبين المعتزلة لفظي، لأن الأجل إن كان زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى كان المقتول ميتا بأجله قطعا، وإن قيد بطلان الحياة بأن لا يترتب على فعل من العبد لم يكن ميتا بأجله قطعا من غير تصور خلاف، فرجع البحث إلى وجود دليل على التقييد وعدمه، ولم يأت أحد من الفريقين بقاطع على مدعاه، والذي جزم به بعض المحققين أن الخلاف بيننا وبينهم لفظي إن قالوا بالقضاء والقدر في أفعال العباد، وإن أنكروهما كما هو المشهور، أو قالوا إن الله لا يعلم الحوادث قبل وقوعها كما ذهب إليه بعضهم، والنزاع حقيقي. انتهى.
وحقق السعد وهو مذهب الأكثرين أن المراد بأجل الحيوان زمان بطلان حياته بحيث لا محيص عنه ولا تقدم ولا تأخر على ما يشير إليه قوله تعالى: (فإذاجاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقد مون ) ،3] فيرجع الخلاف إلى أنه هل يتحقق في حق المقتول مثل ذلك أم المعلوم في حقه أنه إن قتل مات، وإن لم يقتل عاش إلى أجل هو وقت له. انتهى. وعليه فالخلاف حقيقي.
إذا علمت هذا فادر أن قول النظم «باطل لا يقبل» تمكن جعله إيماء إلى أن النزاع حقيقي لا لفظي إذ هذا معقول في بعض أحواله كما لا يذهب على ذائق.