 قال بعضهم : ما رأيت شيئا أذهب للدين ولا أنقص للمروءة ولا أضيع للذة ولا أشغل للقلب من الخصومة، قال الغزالي: والمذموم منها إنما هو ما كان بالباطل أو بغير علم، كوكيل القاضي فإنه يتوكل في الخصومة قبل أن يعرف الحق في أي جانب هر فيخاصم بغير علم، وكذا من يطلب حقه لكنه لا يقتصر على قدر الحاجة، بل يظهر اللدد والكذب للإيذاء، أو التسلط على خصمه، وكذلك من خلط بالخصومة كلمات تؤذي، وكذا المعاند لقهر خصمه إذا كان لا غرض له من الخصومة إلا ذلك، وأما المظلوم المحق الذي ينصر حجته بالدليل الشرعي من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء، فهذا ليس حراما، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا، لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر، والخصومة توغر الصدور، وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كل واحد بمساءة الآخر، ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عرضه، فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات، وأقل ما فيه اشتغال القلب حتى إنه يكون في صلاته وخاطره معلقا بالمحاجة والخصومة، فلا يبقى حاله على الاستقامة والخصومة مبدأ الشرور، وكذا الجدال والمراء، فينبغي أن لا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها، وعند ذلك يحفظ لسانه وقلبه عن آفات الخصومة، فإن حفظ اللسان مطلوب عما عدا التكلم بالخير، والله أعلم. وقوله: (فاعتمد) تكملة، وإن جعل تنبيها على أن هذه المسائل ليست من مباحث علم التوحيد كما مرت الإشارة إليه، وإنما حقها أن تذكر في علم الفروع، وهو العلم الباحث عن أحوال أفعال المكلفين، أو في علم الأخلاق، الذي هو علم يعرف به أنواع الفضائل وكيفية اكتسابها، وأنواع الرذائل وكيفية اجتنابها، وفائدته: تخلق الإنسان بالأخلاق الكاملة المحمودة، وتجنبه للأخلاق الرذلة المذمومة؛ أو في علم التصوف، الذي هو علم
تلخيص التجريد · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
تلخيص التجريدج ٢ · ص ٣٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي