 ومنها ما يذم، وكذلك قوله: (و) ك (الجدل) بسكون آخره للوزن، ويقال فيه: الجدال، وهو لغة القرآن، وهو مصدر جادل إذا خاصم من الجدل - بسكون الدال - وهو شد الضفر، وهو ما ينسج عريضا، وقيل: ما ينسج محرفا. قال أبز حامد الغزالي: وأما الجدال فعبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها. وعرفه بعضهم: بأنه مقابلة الحجة بالحجة، وبعضهم: بأنه تفاوض بين اثنين فصاعدا؛ لتحقيق حق أو إبطال باطل والمحرم منه المراد هنا: ما كان لإحقاق باطل أو إبطال حق، أو ما كان لإظهار الخلل في كلام الغير لينسب بذلك شرف العلم لنفسه وخسة الجهل لغيره.
واعلم أن كلا من المراء والجدال لا يتحقق إلا بين اثنين فصاعدا، وأن المحرم منهما مزافقة الحق بالقول وترك الانقياد إلى ما ظهر، والجائز منهما إنما يكون طلبا لظهور الحق. قال مالك: الجدال ليس من الدين في شيء، وقال الشافعي: ما ذاكرت أحدا وقصدت إفحامه، وإنما أذاكره لإظهار الحق من حيث هو حق، وهو المناظرة، وإذا كانت المناظرة: وهي النظر بالبصيرة من الجانبين إظهارا للصواب لإظهار الحق، فلها آداب تجنب اضطراب ما عدا اللسان من الجوارح، والاعتدال في رفع الصوت وخفضه، وحسن الإصغاء لكلام صاحبه، وجعل الكلام مناوبة لا مناهبة، والثبات على الدعوى إن كان مجيبا، والإصرار على السؤال إن كان سائلا، والاحتراز عن التعنت والتعصب والمغالبة وقصد الانتقام، فإن ذلك كله مذهب لطراوة الكلام، وأن لا يتكلم فيما لا يقع له علمه، ولا بموضع مهانة، ولا بمحضر جماعة تشهد لخصمه بالزور وترد كلامه بالتعصب، وأن يجتنب الرياء والمباهاة والضحك واللجاج وترك قبول الحق. قال عبد الوهاب: إذا قدم على المجادلة مع هذه الأمور بتقوى الله سبحانه؛ أفادت المذاكرة خمس خصال: إيضاح الحجة، وابطال الشبهة، ورد المخطئ إلى الصواب، والضال إلى الرشاد، والزائغ إلى صحة