 في هذا النحو أن تكون الحاجة ماسة لذلك بأن يكون المنصوح شرع في تلك المصلحة، أو عزم على الشروع فيها، وإن لم يستشر الناصح لأن النصيحة واجبة على العالم بوجه المصلحة وإن لم يسأل(1). قلت: وصريح كلام القرطبي أنه إذا لم يسأل كان ذلك مندوبا إليه، واقتضى كلام الجزولي أنه لا يجب على من علم حال شخص سئل عنها بيانها، إلا إذا لم يكن هناك من يعلمها، وإلا كان تعرضه لذلك غيبة وهو بعيد، وأما قوله: أنه لا يكشف عن حاله في الغرض المذكور إلا إذا سئل عنها وإلا كان ذلك غيبة فلا يؤخذ بظاهره، والله أعلم.
نعم شرط القرافي أن يقتصر الناصح على ذكر ما يخل بتلك المصلحة من العيوب خاصة، قال فالشرط الأول: احتراز من ذكر عيوب بعض الناس خشية، أن يقع بين الناس وبينه من المخالطة والمعاملة ما يقتضى ذلك؛ فهذا حرام بل لا يجوز إلا عند مسيس الحاجة، ولولا ذلك لأبيحت الغيبة مطلقا لأن خشية ذلك قائمة في الكل؛ والشرط الثاني: احتراز من أن يستشار في أمر الزواج فيذكر العيوب المخلة بالشركة أو المساقاة مثلا، أو يستشار في السفر معه فيذكر العيوب المخلة بمصلحة السفر، والعيوب المخلة بمصلحة الزواج، فالزيادة على العيوب المخلة بما استشير فيه حرام ذكرها بل يقتصر على ما عين له أو ما عرف الإقدام عليه. انتهى. ومنها إذا رأيت من يشتري عبدا مثلا معروفا بالسرقة أو الزنا أو الشرب أو غيرها، فعليك أن تبين ذلك للمشتري إن لم يكن يعلمه. ومنها إذا رأيت متفقها يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ العلم عنه، وخفت أن يتضرر المتفقه بذلك فعليك نصيحته ببيان حاله، ويشترط أن يقصد النصيحة كما مر، وهذا مما يغلط فيه وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل له أنه نصيحة وشفقة