 التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم. وذهب الكرامية إلى جواز نصب إمامين من غير تفصيل، ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد، وصاروا إلى أن عليا ومعاوية كانا إمامين. قالوا: وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يده وأضبط لما يليه، ولأنه لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى، ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة. والجواب: أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه لقوله: «فاقتلوا الآخر منهما»(1) ولأن الأمة مجمعة عليه، وأما معاوية فلم يدع الإمامة لنفسه، وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة، ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما، ولا قال أحدهما إني إمام ومخالفي إمام، فإن قالوا: العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه . قلنا: أقوى السمع الإجماع.
العاشر: للإمامة - كما مر - شروط، وهي أحد عشر شرطا: الأول: أن يكون من صميم قريش لقوله صلى الله عليه وسلم: الأئمة من قريش» وقد اختلف في هذا. الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين، مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث وهذا متفق عليه. الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور، وحماية البيضة وردع الأمة، والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم. الرابع: أن يكون ممن لا يلحقه رقة في إقامة الحدود، ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار، والدليل على هذا كله إجماع الصحا بة لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه، ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم ويتفحص أمور خلفائه وقضاته، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك