
وقوله: (فاعلم) تتمة وتكميل، ولما خالف في الحكم المذكور الجاحظ والخياط والكعبي وأبو الحسين البصري فقالوا: بوجوب نصب الإمام على الأمة بالعقل، أشار للرد لمذهبهم بقوله: (لا) واجب نصبه علينا (بحكم العقل) خلافا لمن ذكر، حيث قالوا به محتجين بأن أصل دفع المضرة الثابتة واجب بحكم العقل قطعا، فكذلك المضرة المظنونة يجب دفعها؛ وذلك لأن الجزئيات المظنونة المندرجة تحت أصل قطعي الحكم يجب اندراجها في ذلك الحكم قطعا؛ إذ كل من عرف أن أكل الطعام المسموم قاتل يجب اجتنابه، ثم ظن أن هذا الطعام مسموم وجب عليه بحكم العقل الصريح اجتنابه، وكذا كل من علم الحائط الساقط لا يجوز الوقوف تحته، ثم ظن أن هذا الحائط يسقط، فالعقل الصريح يقضي بوجوب أن لا يقف تحته. والجواب: منع حكم العقل بالوجوب الشرعي وأخواته، بل هي لا تستفاد إلا من الشرع، وأما الوجوب الذي قضى به العقل في هذه المواضع وأمثالها؛ فإنما هو بمعنى كونه من مقتضيات العقول والعادات وملائماتها، والكلام ليس فيها بل في الوجوب بمعنى استحقاق تاركه الذم والعقاب في حكم الله تعالى، وهو ممنوع هنا كما علمت.
واحتج مؤلاء على عدم وجوب نصب الإمام على الله تعالى، بأنه لو وجب على الله تعالى لما خلا زمان من الأزمنة من إمام ظاهر قاهر جامع لشروط الإمامة قامع لرسوم الضلالة، قائم بحماية بيضة الإسلام، وإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، واللازم ظاهر الانتفاء فكذا الملزوم، وأما حجتنا نحن على ذلك وعلى عدم وجوبه علينا عقلا؛ فهو ما تقرر من بطلان أصل الحسن والقبح العقليين حسب ما مر. [الإمامتت من الضروع وليست ركنا في الدين]
ولما أدرج مباحث الإمامة في الكلام خشي أن يتوهم أنها من مباحثه، فدفع توهم ذلك