 منهم ذهبوا إلى أنها بسائط في أنفسها كما هي عند الحس، وليس فيها تعدد أجزاء أصلا وإنما تقبل الانقسام بذاتها ولا تنتهي إلى حد لا يبقي لها قبول الانقسام، كما هو شأن مقدورات الله تعالى. واعلم أن للمتكلمين في إثبات تركب الجسم من أجزاء لا تتجزأ طريقين أحدهما: إثبات أن قبول الانقسام مستلزم لحصول الانقسام، وتقريره أن كل جسم فهو قابل للانقسام، وكل ما هو كذلك فأقسامه حاصلة بالفعل، لوجوه:
الأول: أن القابل للانقسام لو لم يكن منقسما بالفعل بل واحدا في نفسه كما هو عند الحس لزم قبول الوحدة الانقسام، واللازم باطل إذ لا معنى لها سوى عدم الانقسام، وجه اللزوم أن الوحدة حينئذ تكون عارضة لذلك القابل حالة فيه سواء جعلت لازمة له أو غير لازمة، ضرورة أن الوحدة ليست نفسه ولا جزء منه، وانقسام المحل يستلزم انقسام الحال ضرورة أن الحال في كل جزء غير الحال في الآخر . وأجيب: بأن الوحدة من الاعتبارات العقلية، ولو سلم فليست من الأعراض السارية التي تنقسم بانقسام المحل.
الثاني: أنه لو كان واحدا لكان تقسيم الجسم وتفريق أجزائه إعداما له ضرورة أنه إزالة لهويته الواحدة وإحداث لهويتين أخريين، واللازم باطل للقطع بأن شق البعوض البحر بإبرته ليس إعداما له وإحداثا لبحرين آخرين. وأجيب: بأنه إن أريد بالبحر ذلك الماء مع ما له من الاتصال فلا خفاء في انعدامه عند عروض الانفصال، وإن أريد نفس ذلك الماء من غير اعتبار بالاتصال فليس في الشق زوال بحر ولا حدوث بحرين، وهذا أنسب بقواعدهم حيث يقولون: إن القابل للشيء يجب أن يكون باقيا عنده مجتمعا معه فإن نقل الكلام إلى المادة بأنها إن كانت متعددة فهو المراد، وإن كانت واحدة فإن بقيت بعد الانقسام كذلك فظاهر البطلان للقطع بأن ما هو محل لهذه الصورة غير ما هو محل