 ما حتى جعلها الحكماء من الأعراض الأولية للكم، والجزء ليس له امتداد ما فلا يكون قابلا للقسمة، وما لا يكون قابلا للقسمة الفرضية لا يكون قابلا للقسمة الفعلية بطريق الأولى. فإن قلت: كيف يمتنع قبول الجزء للقسمة الفرضية، بمعنى ما للعقل فرضه مع قولهم إن للعقل فرض كل شيء؟ قلت: ذلك قول عامي غير صادر عن تحقيق ولا استقراء فيكون ساقطا كما نبه عليه بعض محشي «شرح العقائد» قائلا: ألا ترى أنه ليس له أن يفرض الشخص مشتركا؟ فكما أن فرض اشتراك الشخص يخرجه عنه كونه شخصا واحدا فكذلك فرض الجزء منقسما يخرجه عن الفردية ويجعله شيئا ذا امتداد، بل الحق أنه قد يكون الشيء ممتدا في نفسه مكنا فرضا، وقد يكون فرضه ممتنعا أيضا كنفسه.
فإن قلت: هل الجزء الذي لا يتجزأ مساو للجوهر الفرد؟ قلت: نعم، وكلا التعبيرين مصطلح للقوم الأول منهما للمتقدمين، والثاني للمتأخرين، وقوله: (حادث) خبر المبتدأ المنعوت بالفرد، أي مسبوق وجوده بالعدم - لما مر من أدلة حدوث العالم - وكل جزء من أجزائه، وأقامه مقام ثابت المقصود هنا لاستلزامه له بخلاف العكس، ولئلا يتوهم أن أدلة إثباته تامة، هذا عند الظاهري، ولو يجعل قوله «لا ينكر» إشارة إلى ثبوته كان أصوب غايته ملاحظة مضاف حذف فانفصل الضمير واتصل بعامله فاستتر فيه.
وقوله: (عندنا) معمول (لا ينكر) الواقع خبرا ثانيا، فضميره المستتر عند الظاهري للجرهر الفرد على الأول فلا تقدير، وعلى الثاني التقدير الذي عرفته قدم عليه للحصر، بمعنى أن ثبوته وتركب جميع الأقسام منه مع تناهي إفادة فيها ليس إلا عندنا، خلافا للحكماء الفلاسفة فإن المشائين منهم ذهبوا إلى تركيبها من الهيولي والصورة، والإشراقيين