
فعند تحرير المذاهب وبيان أن المراد الزيادة في التصور لا في الهوية، يرتفع النزاع بين الفريقين، ويظهر أن القول بكون اشتراك الوجود لفظيا، بمعنى أن المفهوم من الوجود المضاف إلى الإنسان غير المفهوم من المضاف إلى الفرس، ولا اشتراك بينهما في مفهوم الكون مكابرة ومخالفة لبديهية العقل، والله أعلم. الثالث: اعلم أن مراتب الوجود أربع: أعلاها الوجود في الأعيان وهو الوجود المتأصل المتفق عليه، الذي به يتحقق ذات الشيء وحقيقته بل هو نفس تحققها، ثم الوجود في الأذهان وهو وجود غير متأصل بمنزلة الظل للجسم، يكون المتحقق به الصورة المطابقة للشيء، بمعنى أنها لو تحققت في الخارج لكانت ذلك الشيء كما أن ظل الشجرة لو تجسم لكان تلك الشجرة، ثم الوجود في العبارة، ثم الوجود في الكتابة، وهما من حيث الإضافة إلى ذات الشيء وحقيقته مجازيان لأن الموجود من زيد في اللفظ صوت موضوع بإزائه، وفي الخط نقش موضوع بإزاء اللفظ الدال عليه لا ذات زيد ولا صورته، نعم إذا أضيف إلى اللفظ الموضوع بإزائه أو النقش الموضوع بإزاء ذلك اللفظ كان وجودا حقيقيا من قبيل الوجود في الأعيان.
ولكل لاحق مما ذكرنا من الترتيب دلالة على السابق، فللذهني دلالة على العيني وللفظي دلالة على الذهني، وللخطي دلالة على اللفظي، فتتحقق ثلاث دلالات: أولاها عقلية محضة لا يختلف فيها بحسب اختلاف الأشخاص والأوضاع الدال ولا المدلول، إذ بأي لفظ عبر عن السماء فالموجود منها في الخارج هو ذلك الشخص، وفي الذهن هو الصورة المعينة المطابقة له. والأخريان أعنى دلالة اللفظ على الصورة الذهنية، ودلالة الخط على اللفظ وضعيتان يختلف في الأولى منهما الدال بأن تعين طائفة لفظا كالسماء، وطائفة أخرى لفظا آخر كما في
67