 من الحقائق، وهم أفضل طوائف السوفسطائية أي أقربها حالا للعقل لأنهم عند التحقيق قائلون بالتوقف.
فقالوا: ظهر بكلام الفريقين تطرق التهمة إلى الحاكم الحسي والعقلي، فلا بد من حاكم آخر وليس ذلك الحاكم هو النظر لأنه فرعهما، فلو صححناهما به لزم الدور وليس لنا شيء يحكم سوى الضرورة والنظر وقد بطلا فوجب التوقف في الكل.
فإذا قيل لهم: لقد قطعتم بشبهتكم هذه ببطلان الحسيات والبديهيات والنظريات جميعا، وبوجوب التوقف فقد ناقضتم كلامكم بكلامكم. قالوا: كلامنا لا يفيدنا قطعا بذلك البطلان والوجوب حتى يتناقض في نفسه كما توهمتم، وانما يفيدنا شكا فإنا شاكون في بطلان تلك الأمور ووجوب التوقف، وشاكون أيضا في أنا شاكون، وهلم جرا فلا ينتهي بنا الحال إلى القطع بشيء أصلا، فيتم مقصودنا فلا تناقض، وهذا تفصيل ما يقال إنهم تمسكوا بأنه لا وثوق على حكم الحس والعقل لما مر من شبه الفريقين، ولا على الاستدلال لكونه فرعهما، فلم يبق إلا طريق التوقف وغرضهم من هذا التمسك حصول الشك والتهمة لا إثبات أمر أو نفيه، فلذا كانوا أمثل طريقة من العندية.
والعنادية أشار للرد عليهم بقوله: (وثابت) أي متقرر ومتحقق (في الخارج) وهو هنا ما رادف العيان فهو مرادف للواقع ونفس الأمر، وقوله: (الموجود) مبتدأ خبره ثابت العامل في الخارج، يعني أن حقيقة كل موجود واجبا كان أو ممكنا، جوهرا كان أو عرضا، ماديا كان أو مجردا، إن قيل بالمجردات ثابتة في الخارج ومتحققة فيه من غير نظر إلى اعتبار المعتبر ولا فرض الفارض، لا يقال: الموجود وصف ف«أل» فيه موصولة لا جنسية استغراقية؛ لأنا نقول: المراد به: ما ثبت له الوجود لا ما حدث له، فهي معرفة استغراقية، بدليل أنا نجزم ضرورة بثبوت بعض الأشياء بالعيان وبعضها بالبيان، وأنه