 اضطرب فيها قول الباقلاني وناهيك به في علم الأصول، وأشار ابن الباقلاني إلى أنها من العويصات، لأن القوم لم يصرحوا بالكفر، وإنما قالوا أقوالا تؤدي إليه، وأنا أكشف لك نكتة الخلاف، وسبب الإشكال، وذلك أن المعتزلي مثلا إذا قال: إن الله تعالى عالم، ولكن لا علم له، وحي لا حياة له، وقع الالتباس في تكفيره، لأنا علمنا من دين الأمة ضرورة أن من قال إن الله تعالى ليس بحي ولا عالم كان كافرا، وقامت الحجة على استحالة كون العالم لا علم له، فهل نقول إن المعتزلي إذا نفى العلم نفى أن يكون الله تعالى عالما، وذلك كفر بالإجماع، ولا ينفعه اعترافه بأنه عالم مع نفيه أصل العلم؟ أو نقول: قد اعترف بأن الله تعالى عالم، وإنكاره العلم لا يكفره، وإن كان يؤدي إلى أنه ليس بعالم، فهذا موضع الإشكال، والصحيح: عدم تكفيره. ونحوه قول السبكي الكبير: ومن كان من أهل القبلة وانتحل شيئا من البدع كالمجسمة والقدرية وغيرهم هل يكفر؟ للأصحاب فيه طريقان: وكلام الأشعري يشعر بهما، وأظهر مذهبيه ترك التكفير وهو اختيار القاضي، فمن قال قولا أجمع المسلمون على تكفير قائله، أو فعل فعلا أجمعوا على كفر فاعله كفرناه، وإلا فلا، ومن أصحابنا من كفر المتأولين، ومثال المسألة من قال: إن الله ليس بعالم كفر لإجماع الأمة على تكفيره، ومن قال: هو عالم، وليس له علم، فهذا موضع الخلاف؛ إذ لا إجماع هنا بخلافه ثمة. انتهى. وقال ابن عبد السلام: إن الأشعري رجع عند موته عن تكفير أهل القبلة، لأن الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوف، وقال: قد اختلفنا في عبارات والمشار إليه واحد.
ومن قال منا بأن لازم المذهب مذهب: كفر المبتدعة الذين يلزم مذهبهم ما هو كفر، فقال في المجسمة مثلا: إنهم كفار لأنهم عبدوا جسما، وهو غير الله تعالى، ومن عبد غير الله كفر، وقال في المعتزلة: إنهم وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات،