 منهم، حتى صرح بعض متأخريهم بأن القول بعدم حسن العفو عن المستحق للعقاب عقلا ليس إلا قول أبي القاسم الكعبي. تمسك أهل السنة على جواز العفو بأن العقاب حقه سبحانه فيحسن إسقاطه مع أن فيه نفعا للعبد من غير ضرر لأحد، وبالآيات والأحاديث الناطقة بالعفو والغفران كقوله تعالى: (وهو الذى يقبل النوبة عن عباده ويعفوا عن السييات). (أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير) (إن اله بغفر الذنوب جميعا). ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويعفر مادون ذلك لمن يشاء) [الناء: 48]. (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ). وفي الحديث: «يا عبدي لو أتيتني بقراب الأرض ذنوبا لأتيتك بمثلها مغفرة»(1) إلى ما لا يحصر منها، ومعنى العفو والغفران واحد وهو: ترك عقوبة المجرم والستر عليه بعدم المؤاخذة.
لا يقال: يجوز حمل النصوص على العفو عن الصغائر، أو عن الكبائر بعد التوبة، أو على تأخير العقوبات المستحقة، أو على عدم شرع الحدود في عامة المعاصي، أو على ترك وضع الآصار عليهم من التكاليف المهلكة كما وضعها على الأمم السابقة، أو على ترك ما فعله ببعض الأمم من المسخ، وكتبه الآثام على الجباه والأبواب ونحو ذلك مما يفضحهم في الدنيا إلى غير ذلك مما أولد المعتزلة، وحملزا عليه تلك الآيات؛ لأنا نقول: هذا مع كونه عدولا عن الظاهر بلا دليل، وتقييد الإطلاق بلا قرينة، وتخصيص العام بلا مخصص، ومخالفة لأقاويل من يعتد به من المفسرين بلا ضرورة، وتفريقا بين الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا المعنى بلا فارق مما لا يكاد يصح في بعض الآيات كقوله: (إن الله لا يعهر أن يشرك به،)] الآية. فإن المغفرة والتوبة تعم الشرك وما