 محيط بهما بمنزلة تدويرين في ثخن فلك لا يستلزم الخلاء، ولا يمتنع كون عناصر العالمين مختلفة الطبائع، ولا كون تحيزها في أحد العالمين غير طبيعي، وليس التناسخ عود الأرواح إلى أبدانها، بل تعلقها ببدن آخر في هذا العالم.
لا يقال: هذا الدليل لا يليق بالقائلين بوجود الجنة والنار يوم الجزاء، لأنه على تقدير تمامه إنما ينفي وجود جنة يدخلها الناس وتوجد فيها العنصريات، لابتناء ذلك على خرق الأفلاك؛ لأنا نقول: على تقدير إفناء هذا العالم بالكلية، وإيجاد عالم آخر فيه الجنة والنار، والإنسان وسائر العنصريات، لا يلزم الخرق والالتئام ولا غيره من المحالات، فلذا خص الدليل بنفي الجنة والنار مع وجود هذا العالم. قلت: وملخصه أن الجنة والنار موجودتان الآن في عالم يعلمه الله الذي أحاط بكل شيء علما، وفي الحديث: «أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم دعون إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأين النار؟ فقال عليه الصلاة والسلام: سبحان الله، أين الليل إذا جاء النهار»1) وهو حديث صحيح يشهد له ما أخرجه الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد أرأيت جنة عرضها السماوات، والأرض فأين النار؟ فقال: «أرأيت الليل إذا ألبس كل شيء، فأين جعل النهار؟» فقال السائل: الله أعلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذلك يغعل الله ما يشاء
وقد ظهر بهذا أن حجة الخصم داحضة، ومقالته غير ناهضة، وأن وصفه بقوله (ذي) أي: صاحب (جنة) بكسر الجيم من الجن أو الجنون وصف مطابق، ونعت بالخصم لائق، حيث تفوه بالهذيان، ونفى ما التحق ثبوته بالعيان، فإن لم يكن ذلك عن مس