 الحكمة تقتضي ذلك ليعلم وصول الحق إلى المستحق؛ لأنا نقول: المقصود إبطال رأي من يقول بفناء الأجسام بجميع الأجزاء، بل أجسام العالم بأسرها، ثم الإيجاد وقد حصل، ولو سلم فقد علمت أن العمدة في الحشر هو إعادة الأجزاء الأصلية لا الفضلية، وقد سلمتم أنها لا تتفرق فضلا عن الانعدام بالكلية، بل الجواب أن المعلوم بالأدلة هو أن الله تعالى يوصل الجزاء إلى المستحق، ولا دلالة على أنا نعلم ذلك عند الاتصال البتة، وكفى بالله عليما، ولو سلم فلعل الله يخلق علما ضروريا، أو طريقا جليا جزئيا أو كليا.
الثاني - وهو للمعتزلة - : أن فعل الحكيم لا بد أن يكون لغرض لامتناع العبث عليه، ولا يتصور له غرض في الإعدام؛ إذ لا منفعة فيه لأحد، لأنها إنما تكون مع الموجود، بل الحياة، وليس أيضا جزاء للمستحق كالعذاب والسؤال والحساب ونحوه، وهذا ظاهر. ورد بمنع انحصار الغرض في المنفعة والجزاء، فلعل لله تعالى في ذلك حكما ومصالح لا يعلمها غيره، على أن في الإخبار بالإعدام لطفا للمكلفين، وإظهارا لغاية العظمة والاستغناء والتفرد بالدوام والبقاء، ثم الإعدام تحقيق لذلك وتصديق. وقد يورد الوجهان على طريق تفريق الأجزاء، أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلانعدام التأليف والهئات التي بها التمايز، فإما أن تمتنع الإعادة، أو يلتبس المعاد بالمثل. ويجاب: بأنه يجوز أن تتقدم الصفات التي بها التمايز كاختصاص الجواهر بما لها من الجهات مثلا، ولو سلم فالمستحق هو تلك الجواهر الموصوفة الباقية لا مجموع الجواهر والصفات والتعينات، كما إذا جنى وهو شاب سمين سليم الأجزاء واقتص منه حين صار هرما عجيفا ساقط الأعضاء. وعن الثاني: بأن في التفريق منفعة الاعتبار، وإمكان اللذة والألم على طريق الجزاء.