
الثاني: فسرنا ضمير «فيه» بالعقل التكليفي، أي : الذي هو مناط التكليف، لأن العتل يطلق في اصطلاح أهل العرف العام على صحة الفطرة، وعلى كثرة التجربة، وعلى الهيئة المستحسنة للإنسان في حركاته وسكناته وملبسه ومركبه. وفي اصطلاح الفلاسفة: على العقول العشرة التي يبتنى إثباتها على ثبوت المجردات، وعلى أن الواحد من كل الوجوه لا يصدر عنه إلا واحد، وعلى أن الزاجب فاعل بالإيجاب الذاتي، وغيرها من القواعد تقرر عند الإسلاميين فسادها. والمراد من كونها عشرة أنها ليست أقل منها، وأما في جانب الكثرة فالعلم عند الله تعالى، كيف ولا قطع بانحصار الأفلاك الكلية، أي: التسعة: العرش، والكرسي، والسماوات السبع، بل يجوز أن يكون لكل من الأفلاك الجزئية عقل يدبر أمره، ويشبه هو به بوجه لا يعلم كنهه إلا الله وحده، وإنما كانت عشرة مع أن الأفلاك تسعة، لأن الأول مصدر لفلك ونفس وعقل وهكذا إلى الآخر فتكون العقول الصادرة تسعة مع الأول المصدر عشرة، والعاشر الذي هو عقل الفلك الأخير يدبر أمر عالم العناصر بحسب الاستعدادات التي تحصل للموارد العنصرية من تجديد الأوضاع الفلكية. والمراد من تدبير العقول: التأثير وإفاضة الكمالات لا التصرف الذي للنفوس مع الأبدان، ولهم في كيفية ترتيب الوجود، وصدور الأجسام عن تلك العقول خبط كبير، قالوا: إن أول ما يصدر عن الواجب يجب أن يكون عقلا، ولا شك أن له وجودا وإمكانا في نفسه، ووجوبا بالغير، وعلما بذلك وبمبادئه، فقيل: صدر عنه باعتبار وجوده عقل، وباعتبار وجوبه بالغير نفس، وباعتبار إمكانه ذلك إسنادا للأشرف إلى الأشرف، وهكذا من العقل الثاني عقل، ونفس، وملك إلى آخرها، ثم تدبير عالم العناصر إلى العقل الأخير بمعونة الأوضاع والحركات، وقيل: صدر عن العقل الأول باعتبار إمكان هيولي الفلك