 وإن اعتقد وعمل، فلم يعد شاكرا؛ لأن حقيقة الشكر إظهار النعمة والكشف عنها، كما أن كفرانها هو إخفاؤما وسترها.
والاعتقاد أمر خفي في نفسه، وعمل الجوارح وإن كان ظاهرا إلا أنه يحتمل خلاف ما قصد به، فإنك إذا قمت لأحد تعظيما له، احتمل القيام أمرا آخر إذ لم يتعين للتعظيم، وأما النطق فهو الذي يفصح عن كل خفي ويجلي كل مشتبه، فلا احتمال له، بل هو ظاهر في نفسه، ومعين لما أريد به وصفا، فكما أن الرأس أظهر الأعضاء وأعلاها، وهو أصل لها وعمدة لبقائها، كذلك الحمد أظهر أنواع الشكر وأشهرها وأدلها على حقيقة الشكر، أعني: الإبانة عن النعمة حتى إذا فقد كان ما عداه بمنزلة العدم. انتهى.
الرابعة: قال سيدي يوسف بن عمر : اختلف في تعيين الفاضل من الحمد، فقيل: الحمد لله بجميع محامده كلها ما علمت منها وما لم أعلم، على جميع نعمه كلها ما علمت منها وما لم أعلم، وقيل: «اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»1)، وقيل: «الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافي مزيده» . وتنبني(2) على ذلك مسألة فقهية، وهي: من حلف ليحمدن الله بأفضل محامده، فمن أراد الخروج من الخلاف فليحمده بجميعها، وزاد غيره في القول الأول: عدد خلقه كلهم ما علمت منهم وما لم أعلم.
وفي «الأذكار» النووية: لو حلف ليثنين على الله بأحسن الثناء، فطريق بره أن يقول: لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. زاد بعضهم: فلك الحمد حتى ترضى. وصور المتولي المسألة فيمن حلف ليثنين على الله بأجل الثناء وأعظمه، وزاد في أول الذكر: سبحانك. وروي أن آدم قال: ايا رب شغلتني بكسب يدي، فعلمني شيئا فيه مجامع الحمد والتسبيح»،