 وأجيب: بأن سبب النزول يدل على الوقوع، وذلك على ما نقله المفسرون الزمخشري وغيره أن الكفار طعنوا، فقالوا: إن محمدا يأمر بالشيء، ثم ينهى عنه؛ فأنزل الله هذه الآية.
لا يقال: حجة الآية والاستدلال بها يتوقفان على صحة النسخ، فلو أثبتنا صحة النسخ بالآية لزم الدور؛ لأنا نقول: بل الاستدلال بها متوقف على صحة النبوة لا صحة النسخ. تنبيهات الأول: البعض المنسوخ يصدق بوجوب معرفة الله تعالى وتحريم الكفر، وهو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة في منعهم نسخ وجوبها؛ لأنها حسنة لذاتها لا تتغير بتغير الزمان، وكل ما هو كذلك لا يقبل حكمه النسخ، كما منعوا نسخ تحريم الكفر والزنا والقتل ومال الغير والأعراض؛ لكونه قبيحا لذاته، حسبما نقله عنهم الإسنوي وغيره. ورد بما قد علمت من بطلان الحسن والقبح الذاتيين عندنا فيما مر.
فإن قلت: قضية التعبير بالبعض امتناع نسخ الكل؛ فهل الأمر كذلك? قلت: أما باعتبار قبول كل حكم شرعي النسخ: فالمختار أن كل حكم شرعي يقبل النسخ؛ فيجوز عقلا عندنا نسخ كل الأحكام وبعضها أي بعض كان، خلافا للغزالي والمعتزلة في منعهم نسخ جميع التكاليف، متمسكين بتوقف الحكم بذلك على معرفة النسخ والناسخ، ومعرفة ذلك من جملة التكاليف؛ فلا يتأتى نسخها. وجوابه: أنا لا نسلم ذلك، سلمناه لكن نقول بحصول تلك المعرفة ينتهي التكليف بها، فيصدق أنه لم يبق تكليف، وهو المقصود بنسخ جميع التكاليف، فلا يبقى نزاع بحسب المعنى، ولفظ الإسنوي وجوابه أن انقول: على تقدير تسليم اللزوم؛ فيجوز أن نعلمهما - يعني الناسخ والمنسوخ - وينقطع التكليف بعد معرفتهما بهما وبغيرهما. انتهى.