 إنه تجب عليهم الصلاة والزكاة إن ملكوا نصابا بشرطه، والحج وصوم رمضان وغيرهما من الواجبات، ويحرم عليهم كل حرام في الشريعة، بخلاف الملائكة، فإنا لا نلتزم أن هذه التكاليف كلها ثابتة في حقهم، إذا قيل بعموم الرسالة لهم، بل يحتمل ذلك، وتحتمل الرسالة في شيء خاص.
فإن قلت: لو كانت الأحكام بجملتها لازمة للجن كما هي لازمة للإنس، لكانوا ترددوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم تى تعلموها، ولم ينقل ذلك عنهم. قلت: لا يلزم من عدم نقل ترددهم إليه في تعلم ذلك منه الح عدم ترددهم إليه، وحضورهم مجالسه، وسماعهم كلامه من غير أن يراهم المؤمنون، مع رؤيته الف إياهم ومكالمته لهم، وقد ورد في آثار كثيرة عن السلف أن جماعة من الجن كانوا يقرؤون عليهم القرآن، ويتعلمون منهم العلم، ووافق السبكي في تعميم التكليف لهم ابن مفلح الحنبلي في كتاب «الفروع»، وابن حامد، وابن تيمية، وقال: إنه لا نزاع بين العلماء في جنس تكليفهم بالأمر والنهي، ونحوه لعبد الحق من أئمتنا، والله أعلم. خاتمت
ما تقرر من عموم رساله صلى الله عليه وسلم لجن والإنس، وخصوص رسالة غيره بالإنس هو المجمع عليه، أو كالمجمع عليه، وأما عموم رسالة نوح بعد الطوفان؛ فلانحصار الباقين فيمن كان معه، وحاصله: أنه أمر اتفاقي لا قصدي. فإن قلت: بل رسالته عامة قبل الطوفان أيضا بدليل دعائه على جميع الكفار، إذ لو لم يكن مرسلا إلى الجميع لما ساغ له الدعاء عليهم؛ لأنا نقول: لا يلزم من جواز الدعاء على جميع الكفار الإرسال إليهم؛ لجواز أن يكون ذلك لمخالفتهم حين نهاهم عن المنكر فلم يمتثلوا، على أن بعضهم صرح بأن المختص به ا عموم الرسالة بالأحكام العملية، وأما الاعتقادية فكانت لازمة