 بل (كان من الجن ففسق عن أمر ربه)، وإنما أدرج في الملائكة على سبيل التغليب؛ لكونه جنيا واحدا مغمورا فيما بينهم، لا يقال: معنى قوله: (كان من الجن) صار أو كان من طائفة من الملائكة مسماة بالجن شأنهم الاستكبار؛ لأنا نقول هذا مع كونه كلاما على السند خلاف الظاهر.
الثاني: قولهم في جواب: (إن جاعل فى الارض خليفة قالوا أتحعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)، اغتياب للخليفة واستبعاد لفعل الله تعالى يشبه صورة الاستكبار، بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون، واتباع للظن ورجم بالغيب فيما لا يليق، وإعجاب بأنفسهم وتزكية لها، وأمثال هذا فخل بالعصمة لا محالة. والجواب: أن الاغتياب إنما يكون محرما وذنبا حيث يكون الغرض منه إظهار منقصة الغير، والتزكية إنما تكون مذمومة حيث يكون الغرض إظهار منقبة النفس وكل ذلك لا يتصور بالنسبة إلى علام الغيوب، بل الغرض من كل ذلك إنا هو التعجب والاستفسار عن حكمة استخلاف من يتصف بما لا يليق بذلك مع وجود الأولى والأليق، وآنما علموا ذلك بإعلام من الله أو مشاهدة من اللوح أو مقايسة بين الجن والإنس بجامع تشاركهما في الشهوة والغضب المفضيين إلى الفساد وسفك الدماء، لا يقال قوله تعالى: (ألبوني بأسماء كنولاء إن كنتم صادقين ) [لبقرة: 31]، أي: في أني أستخلف من يتصف بما ذكرتم ينافي كون ذلك متحققا ومعلوما لهم بإعلام من الله إخبارا أو مشاهدة من اللوح؛ لأنا نقول: المعنى إن كنتم صادقين في أنى استخلف من يتصف بذلك من غير حكم ومصالح أو صفات تلائم الاستخلاف؛ إذ التعجب إنما يكون عند ذلك، ولذا قال في الرد عليهم: (إني علم ما لا تعلمون) [برة: 230 إشارة إلى تلك الحكم والمصالح. لا يقال: وفيه دلالة على نفي العصمة بإثبات الكذب في الحكمة لأنا