 متى صدر عنه ذلك الفعل فهم منه من واضعه ما جعل ذلك الفعل أمارة عليه، وقد يعرف بتصريح من أحد المتواضعين وفعل من آخر من غير تواطى على ذلك، كما إذا قام شخص بمحضر ملك، وقال لحاضري ذلك المجلس، وهو بمرأى من ذلك الملك ومسمع: أنا رسول هذا الملك إليكم، وآيتي أن يخالف عادته فيقوم ويقعد، ولم تكن عادة الملك ذلك، ففعل وأجابه إلى القيام والقعود، كان ذلك بمنزلة التصريح بالمواضعة على أن خرق عادته أمارة إرساله.
ومنهم من رد هذا الجمع إلى طريق الجمع الثاني من كون دلالتها عقلية، وإنما وقع الاختلاف بين الطريقين في تقرير كونها عقلية، والأمر في هذا قريب. وفي الأصل زيادات حسنة منها أدلة استحالة الكذب على الله تعالى مع ردها والقدح فيها. وههنا نكتة يتضح بها الجواب عن الوجه الرابع، وذلك أن المعتزلة قد ألزموا الأصحاب تجويز صدور المعجزة على أيدي الكذابين من جهة أخرى، وهي أن مذهبنا أن لله تعالى أن يفعل ما يشاء، فيضل من أراد ويهدي من أراد، ولا يتعين في حقه مراعاة صلاح ولا أصلح، وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يؤمنكم من خلق خوارق العادة على وفق دعوى المدعين للنبوة كذبا، ويكون المراد من ذلك إظهار الضلالات، وتنوعت في جواب هذا الإلزام المقالات.
فأما القائلون بالمذهبين الأخيرين السابقين في المبحث المذكور فأجابوا على مقتضاهما، فقال القائلون بالثاني: نعم يجوز من فعل الباري تعالى الإضلال، لكن لا بالمعجزات لاستحالة ذلك معها، كما يجوز خلق السواد في محل معين، ولكن لا مع وجود البياض في ذلك المحل؛ إذ المعية في النقيض محال، والإضلال بدليل الهداية قلب الدليل شبهة، والعلم الحاصل عنه جهلا، وذلك محال.
3