 إثبات الكمال وامتناع الكذب والنقص على ما مر، وذهب جمع منا أيضا إلى أن دلالتها على ذلك عقلية، وإليه ميل الأستاذ، قالوا: لأن خلق الله تعالى لهذا الخارق في يد مدعي النبوة على وفق دعواه وتحديه مع عجز المتحدين عن معارضته وتخصيصه بذلك، يدل عقلا على إرادة الله تعالى لتصديقه، كما يدل عقلا تخصيصه سبحانه كل ممكن ببعض ما جاز عليه بدلا عن مقابله على ذلك.
واعترض على هذا القول بوجهين: أحدهما: أن تصديق الله تعالى المدعي خبر عن صدقه وخبره تعالى أزلي، وكل ما هو كذلك يمتنع تعلق الإرادة به كالقدرة، إذ لا يتعلقان إلا بالممكنات، كما علمت سابقا. وأجاب عنه بعض المتأخرين بوجهين: أحدهما: أن التصديق الذي تعلقت به إرادته تعالى هو التصديق بخصوص خلق هذا الخارق دالا على خبره بصدق رسله، فيكون خبره الدال على صدق رسله مدلولا لهذا التصديق الحادث الذي هو متعلق لإرادته تعالى. وثانيهما: أن قولهم لتصديقه من قولهم يدل عقلا على إرادة الله تعالى لتصديقه على حذف مضاف - أي : لصدق تصديقه - أي : لصدق المدعي الناشيء عن تصديقه تعالى له بذلك الخارق. انتهى وفيهما تكلف ونظر بيناه بالأصل.
وثاني وجهي الاعتراض: هو أن دلالة المعجزة على صدق مدعي النبوة لو كانت عقلية للزم أن لا يوجد الخارق بدون دلالة النبوة، لكنه يوجد بدونها فيلزم وجود الدليل العقلي عاريا عن دلالته، وهو باطل. وأجاب عنه المقترح: بأن هذا مغالطة، فإن الدليل العقلي ليس مجرد وجود الخارق، وإنما هو الدلالة من حيث إجابة دعوى المتحدي بالخارق، فمجرد الخارق لا يدل إذن، فلا نقض للدلالة العقلية، وذهب جمع إلى أن دلالتها على ذلك وضعية كدلالة الألفاظ بالوضع على معانيها غير أن المواضعة قد تفرق بتصريح يدل على التواضع، كما لو قال شخص لشخص: متى فعلت كذا فقد أردت كذا، فإنه