
وأما العقليات: فمنها: أن الملائكة روحانيات مجردة في ذاتها متعلقة بالهياكل تعلوية، مبرأة عن ظلمة المادة، وعن الشهوة والغضب اللذين هما مبدأ الشرور والقبائح، متصفة بالكمالات العلمية والعملية بالفعل من غير شوائب الجهل والنقص والخروج من القوة إلي الفعل على سبيل التدريج، ومن احتمال الغلط قوية على الأفعال العجيبة وإحداث السحب والزلازل، وأمثال ذلك مطلعة على أسرار الغيب ماضيها وآتيها، سابقة إلي أنواع الخير، ولا كذلك حال البشر. وأجيب: بأن مبني ذلك على قزاعد الفلسفة دون الملة ومنها: أن أعمالهم المستوجبة للمثوبات أكثر لطول زمانهم، وأدوم لعدم تخلل الشراغل، وأقوم لسلامتها عن مخالطة المعاصي، وعلومهم أكمل وأكثر لكونهم نورانين روحانيين يشاهدون اللوح المحفوظ المنتقش بصور الكائنات والأسرار المغيبات. والجواب: أن هذا لا يمنع كون أعمال الأنبياء وعلومهم أفضل، وأنهم أكثر ثوابا لجهات أخر، كقهر المضاد والمنافي، وتحمل المتاعب والمشاق المساغب، ونحو ذلك. وههنا مباحث نفيسة بسطناها بالأصل لا بأس بالإشارة إلي مقاصدها: الأول: ذكر صاحب «منهج الأصلين»: أن محل الخلاف في غير نبينا محمدى لل ، فإنه فضل خلق الله أجمعين بالإجماع كما سلف. الثاني: ذهب جماعة إلي الوقف عن التفضيل بين الفريقين، وجماعة أخرى إلي السكوت عن القول بذلك مع اعتقاد ما أدى إليه الدليل، وسبق قولان وسيأتي قول سادس مفصل. الثالث: قال القاضي: وكل من فضل انما يفضل باعتبار كثرة الثواب والعمل، وفي «شرح المقاصد: التصريح بأنه في أكثرية الثراب وسائر الكمالات.