 كقولك: لا يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان، ولو قلت: السلطان ولا الوزير خرجت عن صنعة البيان بشهادة البصراء بأساليب الكلام، فإن القياس في مثل هذا الترقي من الأدنى إلي الأعلى، وعليه جاء قوله تعالي: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى) [البقرة: 120]، أي: مع أنهم أقرب مودة لأهل الإسلام؛ ولهذا خص الملائكة في الآية بالمقربين منهم؛ لكونهم أفضل، وإذا ثبت فضل الملائكة على عيسي ثبت فضلهم على غيره؛ إذ لا قائل بالفرق البتة. والجواب: أن الكلام سيق لرد مقالة النصاري وغلوهم في المسيح عيسي ابن مريم وادعائهم فيه مع النبوة البنوة، بل الألودية، والترفع عن العبزدية لكونه روح الله، حيث شاهدوه ولد بلا أب، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتي، والمعني: لا يترفع عيسي عن العبودية لله تعالى](1) ولا من هر فوقه في هذا المعنى وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم، ويقدرون بإذن الله تعالى على أفعال أقوى وأعجب من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، فالترقي والعلو إنما هو في التجرد عن الأب والأم وإظهار الآثار القوية لا في مطلق الشرف والكمال.
فإن قلت: وصف الملائكة في الآية بالمقربين ربما يلوح بأن الأفضلية في الشرف والكمال لا بمعني التجرد والقوة على تلك الأفعال. قلت: توصيفهم بالمقربين لكونهم أقدر نوعهم على إيقاع تلك الأفعال في العالم، والتصرف في أحوال بني آدم.
ومنها: أنه قد اطرد في الكتاب والسنة تقديم ذكر الملائكة على ذكر الأنبياء والرسل، ولا يعقل له جهة سوي الأفضلية. والجواب: أنه يجوز أن يكون ذلك التقديم لجهة تقدمهم في الوجود أو في قوة الإيمان بهم، والاهتمام به لأنهم باعتبار الوجود أخفى، فالإيمان بهم أقوى، وبالتحريض عليه أحرى، فالتقديم لهم أولى.