
انتفاء الشهوة والغضب وسائر الشواغل في حقهم، فالعبادة مع كثرة المتاعب والشواغل إنماتكون أشق وأفضل من الأخرى إذا استريا في المقدار وباقي الصفات، وعبادة الملائكة أكثر وأدوم، فإنهم ( يسبحون اليل والار لا يفترون ك [الأنبياء: 221، والإخلاص الذي به القوام والنظام، واليقين الذي هو الأساس، والتقوي التي هي الثمرة فيهم أقوي وأقوم؛ لأن طريقهم العيان لا البيان، والمشاهدة لا المراسلة؛ لأنا نقول: انتفاء الشواغل في حقهم مما لم ينازع فيه أحد، ووجود المشقة والألم في العبادة عند عدم المنافي والمضادما لم يعقل، قلت العبادة أو كثرت، وكون باقي الصفات في حق الأنبياء أضعف وأدنى مما ل يسمع ولا يعقل. ومنها: ما تمسك به بعض الأصحاب، وهو أن للملائكة عقلا بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وللإنسان كليهما، وإذا ترجح شهوته على عقله يكون أدنى من البهائم؛ لقوله تعالي: (أوليك كالانعاه بل هم أضل ) [الأعراف: 179]، فإذا ترجح عقله على شهوته يجب أن يكون أعلى من الملائكة. وفيه أنه ليس زائدا على ما سبق، بل هو عائد له، فإن تمام تقريره هو أن الكافر آثر النقصان مع التمكن من الكمال، وكل من فعل ذلك فهو أضل وأرذل ممن آثره بدونه؛ لأن إيثار الشيء مع وجود المضاد والمنافي أرجح وأبلغ من إيثاره بدونه، فيلزم أن يكون من آثر الكمال مع التمكن من النقصان أفضل وأكمل ممن آثره بدونه. واحتج المخالفون أيضا بوجوه نقلية وعقلية، أما النقليات: فمنها قوله تعالي: ( ولله يتجد ما في السموت وما ف الأرض من دابة والملببكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ل)، خصهم بالتواضع وترك الاستكبار في السجود، ففيه إشارة إلي أن غيرهم ليس كذلك،