 إبقاء هذا الكلام على ظاهره، وهذه إحدي المسائل المشهورة التي كفرنا بها الفلاسفة لعنهم الله تعالي.
(و) اعلم أنه لا طماعية لأحد عندنا في اكتساب النبوة و(لو) بالغ في الطاعات وصرف العمر كله في المجاهدات حتي (رقي) بسكون الياء للوزن، ويجوز بناؤه للفاعل وللمفعول، أي: صعد (في) مراتب (الخير) وهو حصول الشيء لما شأنه أن يكون حاصلا له بأن يناسبه ويليق به، ومفعول «رقي» (أعلى عقبة) وهي في الأصل: الطريق الصاعد في الجبل، فأريد منه هنا أعلى العبادات الشاقة التي لا تفي بها القوي البشرية عادة. 64-بل ذاك فضل الله يؤتيه لمن يشاء جل الله واهب المنن
(بل) لا تنال النبوة إلا بالعناية الأزلية واصطفاء خالق البرية، إذ (ذاك) الاصطفاء للنبرة والاختيار للرسالة (فضل الله) أي: أثر عطائه بغير عرض دون إيجاب ولا وجوب (يؤتيه) الله تعالي بمحض اختياره، والتعبير بالمضارع لإحضار صورة إيتاء النبوة العجيبة (لمن يشاء) متعلق ب (يؤقي) واللام مقوية للضرورة، أي: يؤتيه من يشاء ممن استكمل الشروط والأركان السابقة صدر المبحث، وفيه تلويح بالاقتباس من قوله تعالي: (الله أعلم حيث يجعل رسالتة) ]، (جل الله) أي: عظم وتنزه عن أن تنال النبوة - وهي أشرف الكمالات البشرية وأعظم المقامات الاصطفائية - دون اصطفائه؛ كيف وهو (واهب المنن) أي: العطايا جمع منة، يقال: من عليه أنعم أو أعتق أو عدد عليه إحسانه، وهذا من العبد ذم ومن الله مدح، والمراد بقرينة السياق والمقام: أنه تعالي هو الذي انحصر إعطاء هذا الكمال فيه، فلا ينل إلا منه، ولذا قطعته ولم أجعله نعتا تابعا لله، فتأمله.