 الشخص نبيا بالاتفاق، وإن أرادوا الاطلاع ولو على بعضها، فليس ذلك خاصا بالنبي؛ إذ ما من أحد إلا ويجوز أن يطلع على بعض الغائبات من غير سابقة تعليم ولا تعلم؛ لأن النفوس البشرية متحدة، فيجوز أن يثبت لكل ما ثبت لبعض، وبأن ما جعلوه خاصة ثانية ليست مختصة بالنبي، فإنهم معترفون أيضا بأن مادة العناصر مطيعة لغير الأنبياء، وبأن ما جعلوه خاصة ثالثة غير متحققة عندهم؛ لأنهم منكرون للملائكة، ولا يثبتون غير الجواهر المجردة العالية، وهي غير مرئية عندهم.
قال بعضهم: وفي هذه الردود نظر، أما الأول فلأنهم أرادوا بالاطلاع على بعض ما لم تجر العادة به من غير سابقة تعليم ولا تعلم من غير عارض، ولا شك أن مثل هذا البعض لا يكون لغير نبي. وأما الثاني - وهو قولهم أن النفوس البشرية متحدة، فيجوز أن يثبت لكل ما ثبت لبعض - فممنوع إذ يجوز أن يكون التفاوت راجعا إلي استعدادات مختلفة بحسب الأمزجة، وكذا الخاصة الثالثة، ولو سلم فكل من هذه الخواص الثلاث ليست بخاصة مطلقة للنبي، بل خاصة إضافية، والمجموع خاصة مطلقة للنبي.
ثم ذكر المقصود بالنبي وهو خبرا لكون (مكتسبة) أي: حاصلة بالجد والاجتهاد بمباشرة الأسباب بالاختيار خلافا للفلا سفة في قولهم بذلك حيث قالوا: من لازم بعد كمال الباطن والظاهر الخلوة والمراقية، وتناول الحلال، وإخلاء النفس من الشواغل العائقة عن المشاهدة، انصقلت مرآته وتهيا لما لا يتهيأ له غيره من التجلي بالنبوة. وفساد مذهبهم غني عن البيان بشهادة العيان، كيف وهو يؤدي إلي تجويز نبي مع نبينا عليه السلام أو بعده، وذلك يستلزم تكذيب القرآن؛ إذ قد نص على أنه خاتم النبيين وآخر المرسلين، وفي السنة «أنا العاقب لا نبي بعدي»(1)، وأجمعت الأمة على