
الثالث: امتحان الله سبحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم ورفعة في درجاتهم، وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضا والشكر والتسليم والتوكل والتفويض والدعاء والتضرع منهم، وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين والشفقة على المبتلين، وليتسلي بهم من نزل به مثل ما امتحنوا به ويقتدي: (فبهدنهم أقتدة) [الأنعام: 90] ومحو لهنات فرطت منهم، أو غفلات سلفت لهم؛ ليلقوا الله تعالي طيبين مهذبين، وليكون أجرهم أكمل، وثوابهم أوفر وأجزل. ولو لم يكن من فوائد الابتلاء والامتحان إلا مثل ما ترتب على فعله صلى الله عليه وسلمن معرفة أحكام السهو في الصلاة، وأحكام الصلاة في الخوف والمسايفة، وأحكام الصلاة في المرض، وأحكام الأكل والشرب والجماع واللباس، ونقل كل واحدة من نسائه الكثيرات ما عساه تغفل عنه الأخري من أحكام الحيض والنفاس، لكان غاية المطلوب ونهاية المرغوب، كيف ومن أجل فوائد الامتحان بيان أنهم بشر مخلوقون، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، دفعا لما عساه يتوهم فيهم حين ظهرت على أيديهم خوارق العادات، لا ملائكة ولا آلهة كما وقع للمشركين وكفار العرب حيث استعظموا أكله الطعام ومشيه في الأسواق، وكما وقع للنصاري واليهود حيث ادعوا ألوهية المسيح، وبنوته مع العزير لله سبحانه.
ومن فوائد ذلك أيضا: إظهار خسة الدنيا ودناءتها عند الله، حيث لم يرضها دار خلود الأحبابه وأصفيائه، ولم يرض لهم فيها بسطة العيش وصحة الجسم وإدامة السرور، إذ هي لاملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه»، لاولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء.