 في القول في وجه من الوجوه، لا بقصد ولا بغير قصد، ولا نتسامح مع من تسامح في تجويز ذلك عليهم حال السهو فيما ليس طريقه البلاغ، وبأنهم لا يجوز عليهم الكذب قبل النبوة، ولا الاتسام به في أمورهم وأحوال دنياهم؛ لأن ذلك مما يزري ويريب بهم، وينفر القلوب عن تصديقهم بعد، وانظر أحوال أهل عصر النبي صلى الله عليه ولمن قريش وغيرها، وسؤالهم عن حاله في صدق لسانه مع ما عرفوا به من العداوة وفرط الشقاوة، فلم يؤثروا عنه كذبا، بل اتفق النقل على عصمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بل وبعد. انتهى.
وأما قوله: في تلقيح النخل: «لو تركوها لصلحت ففعلوا فشاصت»(1) فليس من باب الإخبار المحض المفروض للصدق والكذب، وإنما هو من باب إنشاء الرأي والإشارة نحو: لا أحلف على يمين فأرى خيرا منها إلا فعلت الذي حلفت عليه وكفرت عن يميني»(2) ونحو: «إنكم تختصمون إلي...»(3) الحديث، ونحو: «اسق يازبير حتى يبلغ الجدر»(4)، وفي الأصل عن «الشفا» ما فيه الشفا، وقوله تعالى: (يانوح إنه ليس من أهلك) [هود: 46] بعد قول نوح: (إنابنى من أهلى) [هود: 45] ليس تكذيبا في ذلك؛ لجواز اختلاف القصدين، فجعله نوح من أهله قرابة، ونفاها الله عنه نجاة، أي: ليس من أهلك الناجين، أو نفاها الله عنه دينا واتباعا، أو إضافة نوح له تغليبا؛ لاختلاطه بأبنائه