
وأما شبهة لازم قول الفلاسفة بما ذكر، فجوابها ما مر من وجوب كونه تعالى فاعلا بالقدرة والاختيار، وما يأتي في مباحث المعراج من جواز الخرق والالتئام على الأفلاك، وصحة أن ينزل بالوحي من السماوات على الرسل حملته من الأملاك.
وأما شبهة أهل الخلاعة المنهمكين في اتباع الهوي وترك الطاعة، وتقريرها: أنا نجد الشرائع مشتملة على أفعال وهيئات لا شك في أن الصانع الحكيم لا يعتبرها ولا يأمر بها كما يشاهد في الحج والصلاة، وكغسل بعض الأعضاء أو جميعها؛ لتلوث بعض آخر إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عن قانون العقل، فجوابها: أنها أمور تعبدية اعتبرها الشارع ابتلاء للمكلفين، وتطويق لأعناقهم قلائد الأوامر والنواهي، وتأكيد الملكة امتثالهم إياها، ولعل فيها حكما ومصالح لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم، وقد أشار إلى تلك المصالح بعض الخائضين في بحار أسرار الشريعة. وقد أورد بعضهم شبهة تصلح نسبتها للجميع، تقريرها: أن العمدة في إثبات البعثة هي التكليف، وهو عبث لا يليق بالحكيم إذ لا تشتمل على فائدة للعبد؛ لكونه في حقه مضرة ناجزة ومشقة ظاهرة، ولا للمعبود لتعاليه عن الاستفادة والانتفاع، وأيضا فيه شغل للقلب عما هو غاية الأعمال ونهاية الكمال، أعني: الاستغراق في معرفته، والفناء في عظمته.
وجوابها: أن مضار التكليف الناجزة قليلة جدا بالنسبة إلى منافع البعثة الدنيوية والأخروية، الظاهرة للواقفين على ظواهر الشريعة النبوية فضلا عن الكاشفين عن أسرارها الخفية، وإذا تأملتم: فالتكليف صرف إلى ما ذكرتم، لا شغل عنه على ما توهمتم، والله أعلم.