
ه- ومنه إرسال جميع الرسل ف لا وجوب بل بمحض الفضل
(ومنه) أي: ومن جزئيات الجائز العقلي في حقه تعالى عند الأشاعرة؛ بناء على مذهبهم مرن امتناع تعليل أفعاله تعالى بالعلل والأغراض، وأنه لا يسأل عما يفعل، ولا يطلب لها تقمية، فالإرسال عندهم بمجرد تعلق إرادته تعالى بذلك لا رعاية للمصالح والحكم لا على سبيل الوجوب، كما هو رأي المعتزلة والحكماء، ولا على وجه التفضل والإحسان على ما هو رأي علماء ما وراء النهر من الماتريدية حيث ذهبوا إلى أن الإرسال واجب عليه تعالى في حكمته، وإن لم يكن واجبا بالنظر إلى ذاته وقدرته وإرادته، كالرجل الكريم 5 يأتي من الأفعال بما فيه لوم وخسة نفس البتة، وإن كان متمكنا من فعله، وسنذكر يبهتهم عند قوله: (فلا وجوب)، ثم ذكر المبتدأ الذي قدم خبره للوزن بقوله: (إرسال) أي: بعث الله سبحانه (جميع) أي: كل فرد فرد من (الرسل) الذين أولهم آدم وآخرهم محمد صلي الله عليهم وسلم أجمعين، أصله رسل البشر إلى المكلفين من الثقلين؛ ليبلغوهم عنه سبحانه أمره ونهيه ووعده ووعيده، ويبينوا لهم عنه سبحانه ما يحتاجون إليه من أمور الدنيا والدين، إذ قد خلق الله تعالى الجنة والنار، وأعد فيهما من الثواب والعقاب ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا شك أن تفاصيل أحوالهما وطريق الوصول إلى الأول والاحتراز عن الثانى ما لا يستقل به العقل على ما يشير إليه تعالى بقوله: (وما كنا معذبين حت نتعك رسولا) [الإسراء: 15]، أي: ولا مثيين، ومن البين أن من القضايا ممكنات لا طريق إلى الجزم بأحد جانبيها وواجبات وممتنعات لا تظهر للعقل إلا بعد نظر دائم وبحث كامل وتتبع شامل، بحيث يشتغل الإنسان عن أكثر مصالحه، وتفوت عليه معظم ضرورياته، فكان من توابع الإرسال الجائز عليه تعالى فعله ترتب ثل هذه المصالح الظاهرة، وإتمام هذه النعم الوافرة، مع ما في ذلك من قطع التعللات،