
وأما الصوفية فذهب بعضهم إلى مثل ما ذهب إليه الفقهاء والمحدثون، لكنهم يفسرونها بما قاله الإسفراييني رحمه الله تعالى.
فإن قلت: كيف يستقيم تفسير أهل السنة للرؤيا المنامية بالاعتقاد والإدراك؛ مع أن النوم ضد عام له، فلا يجامعه كالموت؟ قلت: قد أجيب عن ذلك بما هو مأخوذ من كلام أبي إسحاق الإسفراييني السابق، وحاصله: أن الجزء المدرك من النائم لا يحله النوم، فلم يجتمع الإدراك والنوم في محل واحد، فالعين نائمة والقلب يقظان كما قال ات ي: لتنام عيناي ولا ينام قلبي»(1) قال القاضي عياض: اتفق المتكلمون على أن النائم الذي استغرق جميع أجزاء قلبه لا يصح أن يعلم؛ لأن النوم آفة تضاد التمييز، واختلفوا في الاعتقادات والظنون والتخيلات، فذهب قوم إلى أنها لا تصح منه، فلا تصح منه الرؤيا؛ لأنها ضرب أمثلة، ولا يصح ضربها للنائم ومن لا تمييز له، وقال قوم: لا يمتنع أن يكون النائم ظانا ولا متخيلا، وإنما يمتنع أن يكون عالما.
واختار من حقق النظر من شيوخنا القول الأول، وأن الظنون والاعتقادات والتخيلات جنس واحد مضاد للعلم، فكما يضاد الظن العلم، فكذلك يضاد أضداده. قال: والنائم إنما يضبط الرؤيا؛ لأن النوم لا يستولي على الجزء الذي هو محل الإدراك من القلب، ولا يلزم قائليه ما لزم قائلي الثاني من تكليف النائم؛ لأنهم لا يقولون إنه مميز حقيقة، وإنما عنده بقية حياة وتمييز ما، والله أعلم. وهنا ذكرنا من الفوائد ما لا يوجد في كتاب، وأتينا فيه من النفائس بالعجب العجاب، ولنذكر من ذلك هنا مباحث:
الأول: قال السعد: اختلف القائلون برؤية الله تعالى في أنه: هل تصح رؤية صفاته تعالى؟ فقال الجمهور: نعم؛ لاقتضاء دليل صحة رؤيته صحة رؤية كل موجود إلا أنه