
وملخصه: أنا لا نسلم أن الإدراك بالبصر في الآية الكريمة هو مطلق الرؤية، بل هو رؤية خصوصة، وهي التي تكون على وجه الإحاطة بجوانب المرئي، إذ حقيقته النيل والوصول، مأخوذا من أدركت فلانا إذا لحقته؛ ولهذا يصح رأيت القمر وما أدركته ببصري؛ لإحاطة الغيم به، ولا يصح وما رأيته، فيكون أخص من الرؤية ملزوما ها بمنزلة الإحاطة من العلم، فلا يلزم من نفي الإدراك على هذا نفي الرؤية، ولا من كون تفيه مدحا لكون الرؤية نقصا، واستدلالهم بأن قولنا: أدركت القمر ببصري وما رأيته تناقض، إنما يفيد ما ذكرنا لا ما ذكروا، ونقلهم إياه عن أئمة اللغة افتراء، فإن إدراك الحراس مستفاد من أدركت فلانا إذا لحقته، وقد صار حقيقة عرفية، فالرجوع فيه إلى العرف دون اللغة. فإن قلت: فإن كان الإدراك ما ذكرتم، فهو مستحيل في حق الباري تعالى، فلم يكن لقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) فائدة، ولا لقوله: (وهويدرك الأبصر» [الأنعا 103]، جهة. قلنا: أما فائدته، فالتمدح بتنزهه عن سمات الحدوث والنقصان من الحدود والنهايات، وأما إدراكه الأبصار فعبارة عن رؤيته تعالى إياها، وعلمه بها تعبيرا عن اللازم بالملزوم. ومنها: أن المنفي إدراك الأبصار، ولا نزاع فيه، والمتنازع إدراك المبصرين، ولادلالة على نفيه، وهذا ينسب إلى الأشعري، وضعفه ظاهر لما شاع من استعمال إدراك البصر في الإدراك به، ولأن جميع الأشياء كذلك، إذ المرئيات منها إنما يدركها المبصرون لا الأبصار، فلا تمدح في ذلك، بل لا فائدة أصلا، اللهم إلا أن يراد أن إدراك الأبصار هو لرؤية بالجارحة على طريق المواجهة والانطباع، فيكون نفيه تمدحا، وبيانا لتتزه الباري تعالى عن الجهة، ولكن يستلزم نفي الرؤية بالمعنى المتنازع.
9