 ككفر الطبائعيين القائلين بقدم الأفلاك وتأثيرها بطباعها في العوالم الأرضية، وكفر الجاهلية المنكرين للبعث وأحوال الآخرة بسبب الاغترار بالربط العادي، وقد نشأعنه أيضا بدعة مختلف في كفر صاحبها، كبدعة من اعتقد حدوث الأسباب العادية وتأثيرها بجعل الله تعالى فيها قوة لذلك، ولو شاء لم تؤثر، وقد سبق ما في ذلك من الخلاف.
والأصل الخامس: هو الجهل المركب، وهو أن يجهل الحق ويجهل أنه يجهله، وحاصله أنه اعتقاد أمر على خلاف ما هو عليه، ولا شك أنه سبب للتمادي على الكفر، إن كان ما أوقع الجهل في اعتقاده كفرا كجهل الفلاسفة، حيث اعتقدوا قدم العالم، وأن الباري مؤثر بطريق الطبع أو التعليل إلى غير ذلك من كفرياتهم، وأنه سبب للتمادي على البدعة إن كان ما أوقع الجهل في اعتقاده بدعة كجهل القدرية، حيث اعتقدوا أن الحيوانات موجدة لأفعالها الاختيارية بقدرتها الحادثة، وأنه تعالى يجب عليه مراعاة الصلاح والأصلح للعباد إلى غير ذلك من سائر البدع الاعتقادية، وإنما كان الجهل المركب سببا للتمادي على الكفر والبدعة؛ لعدم شعور صاحبه بجهله، إذ هو على زعمه معتقد للصواب في جهله، ومن هذه حاله لا يطلب الخروج عن جهله، بل لو اتفق أن أحدا تصدى لرده الى ما هو الحق في نفس الأمر امتنع من الاستماع له أو قبول قوله، بخلاف الجهل البسيط، وهو عدم إدراك الشيء، فإن صاحبه يطلب العلم بما جهله إن شعر بعدم إدراكه، وإن غفل عن ذلك وجاء من ينبهه عليه أو من يعلمه بما جهله، فإنه يجيب إلى ذلك ويقبله؛ لما جبلت عليه النفوس من النفرة عن الجهل، ومحبة تحصيل العلم بما ليس معلوما لها. وسبب الجهل المركب، وثوق النفس في العقليات بما ليس برهانيا من الأدلة، وتحسين الظن فيما يستند إليه من أنظاره واستنباطها، لا سيما عند ظهور إصابتها في بعض ذلك، هذا أصله، وقد يكون في الشرعيات كما يكون في العقليات، ويكون من المقلدين كما