 وفي الأصل جواب آخر. فإن قلت: هل هذه القدرة علة للفعل أو شرط له؟ قلت: الجمهور على أنها شرط عادي للفعل كيبس الملاقي للنار في إحراقها إياه، وذهب صاحب «التبصرة» إلى أنها علة عادية له، بمعنى أن الله تعالى أجرى العادة بخلق الفعل مقارنا لها، كما في خلق الإحراق عند ملاقاة النار. وههنا بحث وهو أنه لا يظهر للقول بالعلية وجه مع انتفاء التأثير، فإن أجيب: بأن المراد العلة الظاهرية. قلنا: فليجب الرجزع بالشرطية إلى الظاهرية، والله أعلم. خاتمت مذهب الجبرية مبني على أصلين، أحدهما : أنه لا بد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد، وثانيهما: أن الفاعل المختار لا بد أن يكون عالما بتفاصيل أحرال أفعاله، وتفاصيل أحوال الأفعال غير معلومة للعبد.
ومبنى مذهب القدرية من المعتزلة أصلان أيضا، أحدهما : أنذ العبد لو لم يكن قادرا على فعل لما حسن المدح والذم والأمر والنهي، وثانيهما: أن أفعال العباد واقعة على وفق مقصردهم ودواعيهم، ولا شك في تعارض تلك الأصول، كما أن المقدمات الخطابية أيضا متعارضة من الجانبين، فمن جانب الجبرية: أن القدرة على الإيجاد صفة كمال لا تليق بالعبد الذي هو منبع النقصان، ومن جانب القدرية : أن أفعال العباد تكون سفها وعبثا، فلا تليق بالمتعالى عن النقصان، وكما أن الدلائل السمعية طافحة بما يشهد للمذهبين، حتى قيل: إن أمة من الأمم لم تكن خالية من الفرقتين، وكذا الأوضاع والحكايات متدافعة من الجانبين حتى قيل: إن وضع النرد على الجبر، ووضع الشطرنج على القدر. ومذهب أهل السنة - وهو أقوي المذاهب الثلاثة وأسدها- بسبب أن القدح في قولنا: لا يترجح المنكين إل بمرجح يوجب انسداد باب إثبات الصانع، وبسبب انه كما قال