 من الناس سموا أنفسهم بالحنابلة جهلا أو عنادا، وأما كلام الله فإطلاقه على المعنى النفسي أكثر فيؤمن معه الإيهام. ثم ذكر متعلق «انزه» بقوله: (عن الحدوث) أي الوجود بعد العدم، لما مر من الأدلة الدالة على امتناع قيام الحوادث به تعالى، والتعبير بالحدوث مكان الخلق لضرورة النظم، أو لما يأتي، فإن العبارة المشهورة فيما بين الفريقين أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، ولهذا تترجم هذه المسألة بمسألة خلق القرآن.
وقوله: (واحذر) من الله سبحانه إن لم تنزهه عن الحدوث (انتقامه) منك وعقابه لك في الدارين أو إحداهما، تعريض به ممثلا له بالمعتزلة القائلين بخلق القرآن، متمسكين بوجوه: منها: أنه علم بالضرورة حتى للعوام والصبيان أن القرآن هو هذا الكلام المؤلف المنتظم من الحروف المسموعة المفتتح بالتحميد المختتم بالاستعاذة، وعليه انعقد إجماع السلف وأكثر الخلف. ومنها: ما اشتهر وثبت بالنص والإجماع من أن خواص القرآن كالإعجاز والبلاغة والفصاحة وكونه عربيا إلى غير ذلك إنما تصدق على هذا المؤلف الحادث لا المعنى القديم.
وجواب الوجهين: أنه لا نزاع في إطلاق لفظي القرآن وكلام الله تعالى بطريق الاشتراك وهو الحق من الخلاف الآتي، أو المجاز المشهور شهرة الحقائق على هذا المؤلف الحادث، وهو المتعارف عليه عند العامة والقراء والأصوليين، وإليه ترجع الخواص التي هي من صفات الحروف وسمات الحدوث، فإن القرآن بهذا المعنى ذكر؛ القوله تعالى: ( وما يأنيهم من ذكر من الرحمان محدث):، (ما يأنيهم من ذكر تن ربهم محدث) وعربي لقوله تعالى: (إنا جعلناه قرءانا عربيا) والعربي هو اللفظ؛ لاشتراك اللغات في المعنى، ومنزل على النبي صلى الله عليه وسلمثبهادة النص