 الفعل والترك، أي يصح أن يصدر كل منهما عنه بحسب الدواعي المختلفة، وهذا لاينافي لزوم الفعل عند خلوص الدواعي بحيث لا يصح عدم وقوعه، ولا يستلزم عدم الفرق بينه وبين الموجب؛ لأنه الذي يجب عنه الفعل نظرا إلى نفسه، بحيث لا يتمكن من الترك أصلا، ولا يصدق أنه إن شاء ترك كالشمس في الإشراق والنار في الإحراق.
فإن قلت: ما الداعي؟ قلت: الذي مال إليه فخر الدين الرازي أن الداعي من جنس الإدراكات، وهو إما بالعلم أو الظن أو الاعتقاد أن في الفعل مصلحة ومنفعة مثلا، وذهب غيره إلى أنه من جنس الإرادة، وقيل: إنه نفس المصلحة والمنفعة، ورد بأنه لا يلزم في الداعي أن يكون مصلحة ومنفعة في نفس الأمر، إذ ربما تظن المفسدة مصلحة، فيتقدم على الفعل. تنبيهات
الأول: المعول عليه في إثبات القدرة صفة له تعالى، أنه صانع قديم له صنع حادث، وصدور الحادث عن القديم إنما يتصور بطريق القدرة دون الإيجاب، وإلا يلزم تخلف المعلول عن تمام علته، حيث وجدت في الأزل العلة دون المعلول، ولا يتم هذا إلا بعد إثبات أن شيئا من الحوادث يستند إلى الباري تعالى بلا واسطة، وذلك بأن يبين أنه قديم بذاته وصفاته، وأن العالم حادث بجميع أجزائه على ما قرره المتكلمون، أو يبين امتناع أن يكون موجبا بالذات ويكون في سلسلة معلولاته قديم مختار تستند إليه الحوادث، وهذا مما وافقنا عليه الخصم، أو حركة سرمدية تكون جزئياتها الحادثة شروطا ومعدات في حدوث الحوادث على ما زعمت الفلاسفة، وقد تقرر في بحث التسلسل بيان استحالة وجود ما لا نهاية له مجتمعة أفراده كانت أو متعاقبة كما تقررت استحالة أزلية الحركة. قال إمام الحرمين بفخله : دخول حوادث لا نهاية لأعدادها على التعاقب في الوجود