
) ا (تخيص النجد) أريد في الجملة ومن بعض الوجوه فجل آثار المؤثرات من غير العقلاء بل كلها كذلك، وأيضا فقد أسند جمع من العقلاء كالفلاسفة والحكماء عجائب خلقة الحيوان، وتكرن تفاصيل الأعضاء إلى قوة عديمة الشعور سموها الصورة، والعقلاء لا يخفى عليهم الضروري، فكيف تصح دعوى كون الكبرى ضرورية؟
قلنا: المراد اشتمال الأفعال والآثار على لطائف الصنع وبدائع الترتيب، وحسن الملاءمة للمنافع والمطابقة للمصاح على وجه الكمال، وإن اشتمل بالعرض على نوع من الخلل، أو جاز أن يكون فوقه ما هو أكمل، والعلم بأن مثل ذلك لم يصدر إلا عن العالم ضروري سيما إذا تكرر وتكثر، وخفاء الضروري على بعض العقلاء جائز.
فإن قيل: لم لا يكفي في صدور تلك الآثار على غاية من الإحكام والإتقان الظن، فلا تكرن دالة على خصوص علم المؤثر. قلنا: تكون تلك الآثار وتكثرها مع انتفاء وجود الخلل عنها في جميع مواقعها مانع من كون القائم به تعالى ظنا لا علما، على أنه يكفي في إثبات غرضنا ثبوت مطلق التصور كما لا يخفى. وثانيهما: أنه تعالى فاعل بالقصد والاختيار كما مر، ولا يتصور ذلك إلا مع العلم بالمقصود؛ لاستحالة توجه القصد والإرادة من الفاعل إلى ما لم يعلم. فإن قيل: ينتقض الوجهان بأنه قد يصدر عن الحيوانات العجم أفعالا متقنة محكمة في ترتيب مساكنها وتدبير معايشها كما في النحل والعنكبوت وكثير من الوحوش والطيور على ما هو في الكتب مسطور، وفيما بين الناس مشهور، مع أنها ليست من أولى العلم. قلنا: لا نسلم أنها ليست فاعلة على طريق التأثير؛ فإن معتقد أهل السنة أن الله جل وعلا منفرد بخلق كل شيء لا تأثير لغيره في شيء أيا كان، فالأفعال التي تتصف بها العقلاء وغيرهم كلها منسوبة إلى الله عز وجل خلقا واختراعا، وإن نسبت إليهم مباشرة وكسبا
8