 وأن الحرف الثاني من كل كلمة مسبوق بالأول ومشروط بانقضائه، وأنه يمتنع اجتماع أجزائه في الوجود وبقاء شيء منها بعد الحصول على ما تقرر عندهم، والحادث يمتنع قيامه بذات الباري لما يأتي، فتعين أن يكون هو المعنى؛ إذ لا ثالث يطلق عليه اسم الكلام، وأن يكون قديما لما عرفت من امتناع قيام الحوادث بذاته تعالى.
وثانيهما: أن كل من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أواستخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني ثم يعبر عنها بالألفاظ التي نسميها بالكلام الحسي، وربما دل عليها أيضا بالكتابة أو الإشارة، فتلك المعاني التي يجدها في نفسه وتدور في خلده ولا تختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات، ويقصد المتكلم حصولها في نفس السامع ليجري على موجبها هي ما يسمى بكلام النفس وحدينها، وربما اعترف بها أبو هاشم وسماها بالخواطر.
ولا خفاء في أنه شاع فيما بين أهل اللسان إطلاق اسم الكل والقول على المعنى القائم بالنفس، حتى كثيرا ما يقولون في نفسي كلام أريد أن أقوله لك، وقال عمر الله لجه يوم الثقيفة: «ازورت في نفسي مقالة أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر»(1) القصة.
وقال الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنا بجمعل اللسان على الفؤاد دليلا
وقد أجمعت الأمة وتواتر النقل عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه تعالى متكلم، وفي التنزيل: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) الجادلة: 8]، وإذا ثبت أن الباري تعالى متكلم، وأنه يمتنع قيام الكلام الحسي بذاته تعين أن يكون هو النفسي، ولا يكون إلا قديما لما تقرر.