
ثم شبه في مطلق الوجوب وإن كان طريق ثبوت المشبه السمع فقط؛ لعدم كفاية الدليل العقلي فيه لعدم تمامه، فقال: (كذا) أي يجب سمعا له تعالى (الكلام) وجوبا ممائلا لوجوب ما ذكر من تلك الصفات، وإن اختلفت طريق ذلك الوجوب، و«ال» فيه عوض عن مضاف إليه، أي كلامه، وهوصفة أزلية قائمة بذاته تعالى منافية للسكوت الذي هو ترك التكلم مع القدرة عليه، والآفة التي هي عدم مطاوعة الآلات إما بحسب الفطرة كما في الخرس، أو بحسب ضعفها وعدم بلوغها حد القوة كما في الطفولية. ومن هنا أورد على التعريف أنه إنما يصدق على الكلام اللفظي دون الكلام النفسي، إذ السكوت والخرس إنما ينافيان التلفظ لا المعنى النفسي. وأجيب: بأن المراد السكوت والآفة الباطنيان، بأن لا يريد في نفسه التكلم، أو لا يقدر على ذلك، فكما أن الكلام لفظي ونفسي، فكذا ضده أعني السكوت والخرس. واعلم أنه لا خلاف لأرباب الملل والمذاهب في كون الباري تعالى متكليما، وإنما الخلاف في معنى كلامه وقدمه وحدوثه، فعندنا كلامه ما مر، وخالفنا في ذلك جميع الفرق، وزعموا أنه لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف السموعة الدالة على المعنى المقصود، وأن الكلام النفسي غير معقول لهم، ثم قال جهلة ورعاع نسبوا للحنابلة ظلما وغلوا، والإمام الزاهدالناسك العابد أحمد ووجوه أصحابه برآء منهم ومن مقالتهم والحشوية: وأيضا أن تلك الأصوات والحروف مع تواليها وترتب بعضها على البعض، وكون الحرف الثاني من كل كلمة مسبوقا بالحرف المتقدم عليه كانت ثابتة في الأزل قائمة بذات الباري تعالى وتقدس، وأن المسموع من أصوات القراء، والمركب من أسطر الكتاب نفس كلام الله تعالى، وكفى شاهدا بجهلهم وغباوتهم ما نقل عن بعضهم أن
6