 فإن قيل: لم لا يجوز أن تكفي صفة القدرة من غير احتياج إلى إثبات الإرادة؟ وذلك بأن يكون لصفة القدرة تعلقات ثلاثة: أحدها: أزلي وهو صحة الفعل والترك. والثاني: متجدد وهو تخصيص أحد المقدورين بالوقوع على وجه مخصوص. والثالث: متجدد أيضا وهو التأثير والإيجاد بالفعل، فهذه تعلقات ثلاثة تكفي فيها صفة القدرة من غير احتياج إلى صفة أخرى، ولا إلى داع أو مرجح آخر . قلنا: كثيرا ما يكون أحدنا قادرا على الفعل أو الترك المشتمل على المصلحة ولم يفعله ما لم تحصل له الحالة المعلومة بالوجدان المسماة بالإرادة هذا ما أشار إليه بعض المتأخرين، وربما يمنع من حيث اشتماله على قياس الغائب على الشاهد به الجميع. فإن قلت: يرد على إثبات الإرادة أنه يقال إن أمكن تعلق الإرادة بكل واحد من الضدين بدلا عن الآخر فتعلقهما بأحدهما معينا ترجح بلا مرجح، وإن لم يمكن ذلك بل كان تعلقها بأحدهما مقتضى ذاتها فالمريد غير قادر على الفعل بالمعنى المتقدم ذكره، أعني صحة الفعل والترك، إذ قد وجب وجود أحد الضدين منه لا وجوبا مرتبا على تعلق إرادته بل لم يجز منه إلا وقوع هذا الضد. قلت: أورده بعض المتأخرين وأجاب عنه أيضا بأن غاية ما يمكن أن يقال فيه إن تعلق الإرادة بأحد الضدين لذاتها لا بمعنى أن ذاتها تقتضى التعلق به البتة، بل بمعنى أنها لا تحتاج في ذلك إلى مرجح غير ذاتها، بداهة أن الهارب من السبع مثلا لا يريد أحد الطريقين المتساويين من كل وجه لمرجح، والعطشان لا يريد أحد القدحين كذلك المرجح، والجوعان لايريد أحد الرغيفين كذلك لمرجح، وهذا خاصة الإرادة، فلا يجوز مثله في القدرة لما مر . انتهى . وهو مأخوذ من كلام السعد في «شرح المقاصد» وسننقله في مباحث التعلق برمته.
تلخيص التجريد · الجزء ١ · الصفحة ٢٣٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
تلخيص التجريدج ١ · ص ٢٣٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي