 غير المرجح من حيث هو مرجح؛ لتوقف الإيجاد على الترجيح من حيث هو ترجيح، فإذن لا بد لتخصيص بعض الممكنات بالوقوع دون مقابله من صفة أخرى تصلح له، وليس الصالح له إلا صفة الإرادة، إذ لا يلزم نقص في قولنا: أراد الله تعالى وجود هذا الممكن ولم يرد وجود هذا الممكن الآخر، بل أراد عدمه، بل ذلك دليل على غاية الكمال، بأن تصرفه جل وعلا في الممكنات بمحض الإرادة والاختيار، ولا باعث له على ممكن ولا إكراه ولا إجبار كما قال تبارك وتعالى: (وربك يخلق مايشاء ويختار) [: 68]. ولو قلت: قدر الله على هذا الممكن الموجود، ولم يقدر على مقابله لكان فاسدا؛ لما فيه من لزوم نقيضه العجز. وأما سائر الصفات كالعلم والكلام والسمع والبصر فلا يصح التخصيص بها؛ لأن التخصيص تأثير، وهذه الصفات ليست مؤثرة في متعلقاتها، مع كون العلة تابعا للوقوع، فلا يكون مخصصا للوقوع التابع للإرادة المتقدمة على الوقوع المتقدم على العلم، إلا كان المتأخر مخصصا للمتقدم. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون علم ما في الفعل من المصلحة أو المفسدة مخصصا لفعله أو تركه كما يقوله الفلاسفة، وبعض المعتزلة كما يأتي؟ قلت: اعلم أن العلم عندهم إما فعلي، وهو سبق صورة المعلوم إلى العالم، فتكون تلك الصورة العقلية سببا لوجودها في الأعيان كما نعقل شكلا ثم نجعله موجودا، وإما انفعالي وهو استفادة الصورة العقلية من المرجود، وإما لا فعلي ولا انفعالي كما في علمه تعالى، إذا علمت هذا فمعنى كون العلم تابعا للرقوع أن العلم إنما يتعلق بوقوع شيء معين لأنه في نفسه كذلك، وإلا كان جهلا.
وأصحابنا وإن منعوا التبعية للوقوع في العلم الفعلي للقطع بأن آخر ما يتصور أمرا