 الثاني: اتفقت كلمة القوم على تقديم الوجود في مباحث الصفات؛ لكونه أصلا، إذ الحكم بوجوب الواجبات له تعالى، واستحالة ما يتنزه عنه وجواز ما يجوز في حقه فرع عنه، فتقديمه عليها يشبه تقديم التصور على التصديق.
الثالث: سيأتي أن مذهب أبي الحسن الأشعري أن وجود الشيء عينه، وعليه فعده هنا من الصفات تسامح، سهله إضافته إلى الذات لفظا نحو وجود الله. وذهب الرازي إلى أنه صفة زائدة على الذات، وعليه فلا تسامح، وهذا المذهب هو الحق ويجب تأويل مذهب الأشعري بما يرجع إليه، فمراده بالعينية أنه ليس زائدا عليه خارجا كزيادة الحمرة على زيد، لا أن نفس مفهوم الوجود نفس مفهوم الذات. الرابع: الظاهر أن «واجب له» خبر مقدم على مبتدئه، وهو الوجود، ولا حاجة لحمله على مذهب الأخفش، فربما يستفاد من هذا التصرف المفيد للحصر مع استقامة الوزن الرد على بعض المتأخرين كالإمام حميد الدين الضرير وأتباعه عليهم الرحمة أن واجب الوجود الذاته هو الله تعالى وصفاته، مستدلين على أن كل ما هو قديم فهو واجب لذاته، بأنه لو لم يكن واجبا لذاته لكان جائز العدم في نفسه، فيحتاج في وجوده إلى مخصص، فيكون محدثا؛ إذ لا نعني بالمحدث إلا ما يتعلق وجوده بإيجاد شيء آخر، ثم اعترضوا على أنفسهم بأن الصفات لو كانت واجبة لذاتها لكانت باقية، والبقاء معنى، فيلزم قيام المعنى بالمعنى، وأجابوا بأن كل صفة فهي باقية ببقاء هو نفس تلك الصفة.
قال السعد: وما ذهبوا إليه في غاية الصعوبة، فإن القول بتعدد الواجب لذاته مناف للتوحيد، والقول بإمكان الصفات ينافي قولهم بأن كل ممكن فهو حادث، فإن زعموا أنها قديمة بالزمان بمعنى عدم المسبوقية بالعدم وهو لا ينافي الحدوث الذاتي بمعنى الاحتياج إلى ذات الواجب فهو قول بما ذهبت إليه الفلاسفة من انقسام كل من القدم
15