 [الاستثناء في الإيمان] الثالثة: اختلف الناس في جواز دخول الاستثناء الإيمان وعدمه وإيجابه على أقوال: فذهب أبو حنيفة وأصحابه الى منع أن يقال أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وتعين أن يقال أنا مؤمن حقا، ووجهه بعضهم بأن ترك إن شاء الله أبعد عن التهمة بعدم الجزم به في الحال الذي هو كفر، وبتقدير أنه قصد غير التعليق فربما اعتادت نفسه التردد في الإيمان لكثرة إشعار النفس بواسطة الاستثناء بترددها في ثبوت الإيمان واستمراره. وأجيب عنه بأنه لا تهمة مع القرائن القطعية بانتفائها، وأيضا إشعار اللفظ بما مر إنما هو بالنظر للتعليق وليس الكلام فيه؛ إذ الغرض أنه إنما قصد التبرك أو غيره مما يأتي بيانه على أنه لو فرض أنه أطلق فلم يقصد تعليقا ولا تبركا، فالذي يظهر أنه لا إثم عليه أيضا؛ لأن الفرض أنه جازم بالإيمان في الحال، وإيهام لفظه تدفعه قرائن الأحوال، وذهب أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والشافعية والمالكية والحنابلة والأشعرية والكلابية إلى جوازه، وبه قال سفيان الثوري كما نقله السبكي عنهم، وهذا هو الحق الصحيح، وليس الشرط متعين الانصراف للشك في الإيمان؛ لجواز صرفه لترك تزكية النفس، أو للتبرك والتعظيم، أو للكمال، أو للخاتمة، لأنه لا يدري أيدوم عليه أم يصرف عنه عند الموت والعياذ بالله سبحانه وتعالى؟ وعليه حمل قول الثوري: نحن مؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما ندري ما نحن عند الله تعالى. انتهى.
وفي لاشرح مسلم» للنووي: وذهب أكثر أصحابنا المتكلمين إلى أنه لا يقول أنا مؤمن حقا مقتصرا عليه، بل يضم إليه إن شاء الله، وذهب الأوزاعى وجماعة إلى التخيير وهو حسن صحيح. وقد طال النزاع فيما بين المغاربة، واختار ابن أبي زيد أنه إن كانت سريرته كعلانيته جاز له أن يقول أنا مؤمن حقا. والحق أن الخلف في هذه المسائل لفظي كما بسطناه بالأصل.