 كالسماوات والكواكب وحركاتها والعرش والكرسي والملائكة، خلافا لمن ذهب من الفلاسفة إلى قدم السماوات بموادها وصورها وأشكالها قدما زمانيا بمعنى عدم سبق العدم لها، فلا ينافي إطلاقهم القول بحدوث ما سوى الله تعالى حدوثا ذاتيا بمعنى الاحتياج إلى الغير.
(ثم) بعد نظرك في العالم العلوي وتحققك أنه مشتمل على جهات مخصوصة، وأمكنة معينة، وأن بعضه محجوب ببعض، وبعضه داخل في بعض، وبعضه فوق بعض، وبعضه من نور، وبعضه من ظلمة، وبعضه متحرك وبعضه ساكن، وظهور حدوثه لك، وثبوت افتقاره إلى محدث عندك لما اشتمل عليه من أمارات الإمكان، وعلامات الحدوث من اختلافه في المكان والزمان، انتقل إلى العالم (السفلي) أي المنسوب إلى جهة السفل، وهو كل ما نزل عن الفلكيات من بحار وسحاب وحفظة وحجاب إلى التخوم ومنقطع العالم كالأرض والمعادن والبحار والنباتات والحيوانات والجمادات. وفيه رد على بعض الفلاسفة حيث ذهبوا إلى قدم الأجسام العنصرية بموادها شخصا، وبصورها الجسمية نوعا، وبصورها النوعية جنسا، ومعنى قولهم إن صور العناصر قديمة بالنوع أن نوعها مستمر الوجود بتعاقب أفراده الشخصية أزلا وأبدا، والأفراد الشخصية حادثة. فإن قلت: لم قدم العالم العلوي على السفلي، والسفلي معلوم الحدوث بالمشاهدة، والعلوي ما علم حدوثه إلا بانعقاد الماثلة بينه وبين السفلي؟ قلت: لأن الله تعالى قدمه عليه في مقام الاعتبار (إن فى خلق السملوات ) [ال عمران: 190]، ولا يقال قدمه لشرفه؛ لأن المختار كما في «كشف الأسرار» تفضيل الأرض على السماء، وقد تقرر أفضلية البشر على الملك في الجملة، على أنه يمكن أن يقال ذلك ويخالف ما قاله في «الكشف» اختيار المقابلة، والمسألة ليست قطعية، نعم الأول قول الأكثرين.