 الثالثة: محل الخلاف غير النظر الموصل إلى معرفته تعالى من أحكام الكلام، أما النظر الموصل إليها فواجب إجماعا كما قاله السعد ونقله شيخ الإسلام عنه وأقره. الرابعة: قال السعد: فإن قيل أكثر أهل الإسلام آخذون بالتقليد فهم قاصرون أو مقصرون في الاستدلال، ولم تزل الصحابة ومن بعدهم من الأئمة والخلفاء والعلماء يكتفون منهم بذلك ويجرون عليهم أحكام المسلمين، فما وجه هذا الاختلاف وذهاب كثير من العلماء والمجتهدين إلى أنه لا صحة لإيمان المقلدين؟ قلنا: ليس الخلاف في هؤلاء الذين نشأوا في ديار الإسلام من الأمصار والقرى والصحاري، وتواتر عندهم حال الني صلى الله عليه وسلم ما أتى به من المعجزات، ولا في الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار فإنهم كلهم من أهل النظر والاستدلال، بل فيمن نشأ علي شاهق جبل مثلا ولم يتفكر في ملكوت السماوات والأرض فأخبره إنسان يعني غير معصوم بما يفترض عليه اعتقاده فيصدقه فيما أخبره به بمجرد إخباره من غير تفكر ولا تدبر. انتهى. فإن قلت: هل تابعه غيره على هذا التحرير . قلت: نعم كما بيناه بالأصل.
فإن قلت: نجد غالب العوام لا يعرفون حقيقة ما يجب له تعالى، ولا حقيقة ما يجوز عليه، أو يستحيل، وقد اقتضى كلام السعد صحة إيمانهم من غير خلاف. قلت: ما اقتضاه كلامه صحيح، غاية الأمر أنهم جاهلون ببعض أحكام الألوهية من بعض الوجوه، وقد تقدم في كلامه أن الجهل به تعالى من بعض الوجوه لا يعد مكفرا، وإن وجب إزالته عند الإمكان.
فإن قلت: اقتضى كلام بعض المتأخرين جريان الخلاف فيهم. قلت: لا نعلم له سلفا في ذلك، فيجب رده عليه، وإن ركن كثير من القاصرين إليه، وقد أطلنا النفس في الأصل بما يجب على المنصف اعتماده، ويتعين على القاصرين الذين غلبت عليهم العامية والركون