
وهم سموا أنفسهم بأصحاب العدل والتوحيد؛ لقولهم بوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله تعالى، ونفيهم الصفات القديمة عنه تعالى، ثم خلف واصلا أبو علي الجبائي، وكان أبو الحسن الأشعري تلميذا له، قيل: لتربيته في حجره لكونه كان زوج أمه، إلى أن بصر بفساد مذهبه، فقال له يوما: ما تقول في ثلاثة إخوة، مات أحدهم مطيعا، والآخر عاصيا، والثالث صغيرا، فقال الجبائي: يثاب الأول بالجنة، والثاني يعاقب بالنار، والثالث لا يثاب ولا يعاقب، فقال له الأشعري: فإن قال الثالث رب لم أمتني صغيرا وما أبقيتني إلى أن أبلغ فأومن بك وأطيعك فأدخل الجنة؟ ماذا يقول الرب؟ فقال: يقول الرب إني كنت أعلم منك أنك لو كبرت وبلغت لعصيت فدخلت النار، فكان الأصلح لك أن تموت صغيرا. قال الأشعري: فإن قال الثاني: يارب لم لم تمتني صغيرا كي لا أعصي فلا أدخل النار؟ ماذا يقول الرب؟ فبهت الجبائي، وقال للأشعري: أبك جنون؟ فقال: لا، ولكن وقف حمار الشيخ في العقبة، فترك الأشعري من يومئذ مذهبه، ودخل الخلوة، فدون العقائد على طريق الكتاب والسنة وما كانت عليه الصحابة، ثم خرج بتلك الأوراق في يده ورقى المنبر، وقال: أيها الناس أشهد كم علي أني نزعت مذهب الجبائي من قلبي كما نزعت قميصي هذا عني، أو من عنقي، ونزع قميصه، وقال: من أراد الحق فعليه بما في هذه الأوراق، فقد دونت أصوله فيها، فأخذ الناس منه تلك الأوراق واتبعوه، وتركوا مذهب الجبائي ورفضوه، واشتغل هو ومن معه بإبطال رأي المعتزلة وإثبات ما ورد به الكتاب والسنة، ومضى عليه الجماعة، فعرفرا بالأشاعرة، وسموا بأهل السنة والجماعة، واشتهروا بهذا الاسم في ديار خراسان والعراق والحجاز والشام وأكثر الأقطار، وأما ديار ما وراء النهر فالمشهور فيها بهذا الاسم هو أبو منصور الماتريدي وأتباعه المعروفون بالماتريدية، وكلا الفرقين على هدى ونور.