وعلى هذا يكون المضاعف على حرفين حين الوضع؛ وذلك لأن الكلمات قبل التركيب تبنى على الوقف، وإذا وقف عليه بقي على حرفين فتقول في «قد»: «قد» بسكون الدال، وفي «هل»: «هل» بسكون اللام؛ فتصير قد حين الوقف على صورة قد في قولك: «قد قام»، غير أن بينهما فرقا يشعر به السامع مثل ما يشعر به المتكلم؛ وذلك أن الحرف المشدد إذا وقف عليه يكون الاعتماد عليه أكثر، فيبقى فيه شيء من آثار التشديد، فيشعر السامع بأنه كان قبل الوقف مشددا.
ومن أراد أن يتجاوز هذا الحد عسر عليه ذلك، إلا أن يأخذ بالمذهب الذي تقبله ابن جني بقبول حسن، وهو ما ذكره في «الخصائص» بقوله: «ذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات؛ كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي ... ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد.» وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل.
فإن حكاية الأصوات تظهر في المضاعف أكثر مما تظهر في غيره، وإذا استقرأت المضاعف وجدت جله مما يشعر بحكاية صوت، وكثير من ذلك يظهر بأدنى التفات إليه، وكثير منه يحتاج إلى قوة حس وحدس فيبدو لأناس ويخفى على آخرين؛ حتى إن بعض المنكرين يتخيل أن هذا من تأثير التخيل، ويقول: إن هؤلاء لما اعتقدوا أن المضاعف نشأ عن حكاية الأصوات صاروا يتخيلون في المضاعف صوتا يشاكل ما أخذ عنه وإن لم يكن ثم مشاكلة.
قال ابن جني بعد أن أفاض في بيان مناسبة اللفظ للمعنى: «ووراء هذا ما اللطف فيه أظهر والحكمة أعلى وأصنع، وذلك أنهم قد يضيفون إلى اختيار الحروف تشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها بها ترتيبها وتقديم ما يضاهي أول الحدث وتأخير ما يضاهي آخره وتوسيط ما يضاهي أوسطه؛ سوقا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب.
ومن ذلك قولهم: «شد الحبل»، فالشين لما فيها من التفشي تشبه صوت أول انجذاب الحبل قبل استحكام العقد، ثم يليها إحكام الشد والجذب وتأريب العقد فيعبر بالدال التي هي أقوى من الشين، لا سيما وهي مدغمة فهي أقوى لصيغتها، وأدل على المعنى الذي أريدها بها ويقال: شد وهو يشد، فأما الشدة في الأمر فإنها مستعارة من شد الحبل.، ومن ذلك قولهم: «جر الشيء يجره.» قدم الجيم؛ لأنه حرف شديد، وأول الجر مشقة على الجار والمجرور جميعا، ثم عقبوا ذلك بالراء وهي حرف تكرير، وكرروها مع ذلك في نفسها؛ وذلك لأن الشيء إذا جر على الأرض في غالب الأمر اهتز عليها واضطرب صاعدا عنها ونازلا إليها، وتكرر ذلك منه على ما فيه من التعتعة والقلق؛ فكانت الراء لما فيها من التكرير، ولأنها أيضا قد كررت في نفسها أوفق بهذا المعنى من جميع الحروف، فإن رأيت شيئا من هذا النحو لا ينقاد لك فيما رسمناه، ولا يتابعك على ما أوردناه؛ فذلك لأحد أمرين: إما أن يكون لم تنعم النظر فيه فيقعدك فكرك عنه، أو لأن لهذه اللغة أصولا وأوائل قد تخفى عنا وتقصر أسبابها دوننا.»
وعلى ما ذكر من أن اللغات إنما نشأت عن الأصوات، وأن حكاية الأصوات تظهر في المضاعف أكثر مما تظهر في غيره، وأن الأصل في أواخر الكلم السكون يقوي القول بأن الكلمات كانت في أول الأمر ثنائية، وأن أول ما وضع من الكلم هو المضاعف ثم تلاه غيره، قال ابن جني: «الصواب: رأي أبي الحسن الأخفش، سواء قلنا بالتوقيف أم بالاصطلاح أن اللغة لم توضع كلها في وقت واحد؛ بل وقعت متلاحقة متتابعة.»
في أن ذلك لا ينافي قوله تعالى:
وعلم آدم الأسماء كلها
واعلم أن الذين قالوا بحدوث اللغات عن الأصوات، وبكونها لم توضع كلها في وقت واحد، يقولون إن هذا لا ينافي قوله سبحانه:
وعلم آدم الأسماء كلها ؛ لأن غاية ما في القول الأول ثبوت المناسبة بين اللفظ والمعنى، وفي ذلك دلالة على حكمة الواضع، وغاية ما في القول الثاني أن بعض الأشياء لم يوضع لها اسم إذ ذاك لعدم الاحتياج إليها حينئذ. إما لأنها لم توجد بعد أو لأنها وإن وجدت فإن الحاجة لم تدع إليها؛ فإن وضع الاسم للشيء إنما تكون له فائدة إذا كان مما يحتاج إليه ليدل به حين الحاجة عليه.