تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر لك هذا الأمر ظهورا لا خفاء بعده بأمر النحت، وهو جعل الكلمتين كلمة واحدة بعد إزالة ما يمنع التئامهما، نحو: «حيعل المنادي» أي قال: حي على كذا، قال الشاعر:

أقول لها ودمع العين جار

ألم يحزنك حيعلة المنادي؟

وقد ذكروا أن أكثر الكلمات التي تجاوزت حروفها الثلاثة منحوت، ولا يخفى أن المنحوت مفرد مع أنه كان في الأصل مركبا؛ فليس يسوغ لمن لا يعرفه أو ينكره أن يعترض على القائل به بأن الألفاظ المدعى نحتها مفردة، مع أن قاعدة النحت تقتضي أنها مركبة؛ لأن المدعي للنحت لا يخالفه في كونها الآن مفردة وقد ذكرنا في كتاب «أصول اللغة» أنه قد يعرض في بعض المواضع أن تختلف أنظار كل من علماء الصرف وعلماء اللغة وعلماء الفقه فيها ويكون لكل وجهة. والواجب على كل فريق منهم أن يعطي فنه ما يستحقه من النظر والاعتبار غير متعرض لما لا يعنيه من الاعتراض على غير أهل مذهبه؛ فإن ذلك أقرب للسلامة من الخطأ والخطل، وإن كان مليا بها كلها كان أجدر أن يعطي كل فن ما يستحقه من النظر والاعتبار لإشرافه عليها من عل، إلا أن يبدو له شيء يضطره إليه البرهان فيقول به، فإن أصاب فله مع الأجر جميل الذكر، وإن أخطأ لم ينح عليه بالملام؛ لأنه تكلم فيما له به إلمام، وعلى كل حال فليكن متمثلا بقول من قال:

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن

وإن لقيت معديا فعدناني

هذا، والإمعة بكسر الهمزة وتشديد الميم المفتوحة، وقد تفتح الهمزة، والهاء فيه للمبالغة ، ولا أستبعد أن يكون الإمعة منحوتا مما يقوله لكل من يلقاه، وهو: إني معه، حذفت النون الثانية؛ ليتيسر المزج ثم قلبت النون ميما، ثم أدغمت في ميم «مع»، فصار «إمع»، ثم زيدت فيه الهاء للمبالغة فصار: «إمعة»، ويقال أيضا: «إمع» بدون هاء.

ولعل قائلا يقول: كيف يحكمون بأن الأصل في الكلم العربية أن تكون على ثلاثة أحرف فما زاد على ثلاثة يكون إما من المزيد فيه أو مما ركب من كلمتين صارتا بعد بطريق النحت كلمة واحدة، وما نقص عن ثلاثة أحرف يكون مما حذف منه شيء، إلا أن تكون الكلمة من قبيل الحرف ك «هل»، و«قد»، أو من قبيل الأسماء المشابهة للحرف ك «من» و«هو»، فإن هذا النوع يحكم فيه بأنه قد نشأ كذلك لعلة يذكرونها، والخليل بن أحمد يسمي مثل: «در» و«رد» ثنائيا، ويفتتح في العين كل حرف من الحروف به، وناهيك قول مثل صاحب «مفتاح العلوم» في مبحث النواصب وهو من العدلية المعروفين بالاعتزال، والخليل من الجماعة الموصوفين بالاعتدال: وأما الناصبة للأفعال فالأصل فيها أن عند الخليل - قدس الله روحه - وقول الخليل يغني عن الدليل:

إذا قالت حذام فصدقوها

فإن القول ما قالت حذام

على أن كثيرا من الباحثين عن أصول اللغات في هذا العصر قد أفضى بهم البحث إلى أن الكلم في اللغات السامية كانت ثنائية في أول الأمر.

فنقول: إن الخليل إنما سمى مثل «در» و«رد» بالثنائي المضاعف؛ وفي لفظ «المضاعف» ما يدل على أنه لم يرد بلفظ الثنائي المعنى الذي تشير إليه، ألا ترى أنه لما ذكر «در» في أول حرف الدال في نوع الثنائي المضاعف منه أتبعه بذكر «دردر» و«دردور»؟ ولا شك أن «دردر» ذو أربعة أحرف، ولكن سماه هو ثنائيا لعدم وجود غير الدال والراء فيه، وهما حرفان وإن كان منهما قد ضوعف، وذكر بعده «الدرد» وهو ذو ثلاثة أحرف، غير أن فاءه ولامه من جنس واحد، و«الددن» وهو ذو ثلاثة أحرف غير أن فاءه وعينه من جنس واحد، ثم لما انقضى الثنائي المضاعف انتقل إلى ذكر الثلاثي الصحيح فذكر فيه ما ذكر من نحو: «دثر» و«درن» و«دفر» وما قلب منها على عادته ... وعلى ذلك جرى في سائر الحروف.

وههنا أمر جدير بأن ينظر فيه، وهو أنهم قالوا إن الأصل في أواخر الكلم أن تكون ساكنة، قال في «المفتاح»: «إن اعتبار أواخر الكلم ساكنة ما لم يعرف عن السكون مانع أقرب لخفة السكون بشهادة الحس، وكون الخفة مطلوبة بشهادة العرف، ولكون السكون أيضا أقرب حصولا لتوقفه على اعتبار واحد، وهو جنسه دون الحركة لتوقفها على اعتبارين: جنسها، ونوعها. فتأمل!»

الكافي في اللغة · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكافي في اللغةص ٧