تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالكلام على ثلاثة أحرف وأربعة أحرف وخمسة لا زيادة فيها ولا نقصان، والخمسة أقل الثلاثة في الكلام؛ فالثلاثة أكثر ما تبلغ بالزيادة سبعة أحرف وهي أقصى الغاية والمجهود، وذلك نحو: «اشهيباب»، فهو يجري على ما بين الثلاثة والسبعة، والأربعة تبلغ هذا نحو: «احرنجام»، ولا تبلغ السبعة إلا في هذين المصدرين، وأما بنات الخمسة فتبلغ الزيادة ستة، نحو «عضرفوط»، ولا تبلغ سبعة كما بلغتها الثلاثة والأربعة؛ لأنها لا تكون في الفعل فيكون لها مصدر نحو هذا، فعلى هذا عدة حروف الكلم، فما قصر عن الثلاثة فمحذوف، وما جاوز الخمسة فمزيد فيه.

وكأن علماء الصرف أجمعوا على أن الاسم المتمكن والفعل لا يبنيان من أقل من ثلاثة أحرف، واحترزوا بالمتمكن عن غير المتمكن وهو المبني؛ فإنه لمشابهته للحرف قد يبنى من أقل من ثلاثة أحرف كالحرف، وذلك مثل «من» و«هي»، فإن وجد اسم متمكن على أقل من ثلاثة أحرف «كأب» و«أخ» حكموا بأنه قد حذف منه شيء، وأصلهما عندهم: «أبو» و«أخو»، ويدل على ذلك أنه يقال في تثنيتهما: «أبوان» و«أخوان»، وقد استقرءوا الكلم فوجدوا أن الأبنية الثلاثية أكثر مما سواها، وحكموا بأنه أعدل الأبنية، وأن الأصل في كل كلمة أن تكون على ثلاثة أحرف: حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه، وحرف يكون واسطة بينهما.

إذا عرفت ما ذكرنا ربما عرض لك الإعراض عن القول السابق متعللا بأن إجماع علماء الصرف حجة فإنهم صرفوا أعمارهم في هذا الفن، ووجهوا أنظارهم إلى دقائقه، فإذا اتفقوا على شيء منه ولا داعي لهم على ذلك من رغبة أو رهبة لم يكن ذلك إلا لكونه صوابا؛ إذ يعسر الحكم بخطئهم أجمعين بعد إعطائهم النظر حقه، لكن إذا أمعنت النظر ربما ظهر لك ذلك القول ربما لم يكن مصادما للإجماع؛ لأن كثيرا من المسائل يختلف الحال فيها باختلاف الفن، ألا ترى أن النحوي المنطقي يجزم بأن عبد الله - إذا كان علما - مفرد؟ هذا إذا كان يبحث في المنطق؛ لأنه لا فرق بينه وبين زيد في كونه لا يدل جزء لفظه على جزء معناه، فإذا كان يبحث في النحو يرجح كونه مركبا رعاية لجانب اللفظ، فحكمه عنده حكم قولك: أنا عبد الله، إذا لم يكن ذلك اسمك لوجود جزأين فيه قد أعرب كل واحد منهما بإعراب، ولعلك تقول إن هذا ليس باستدلال بل هو من قبيل إيراد المثال، وهو لا يزيل ما حاك في صدري من الإشكال، فهل عندك أقرب من هذا إلى الفهم وأبعد منه عن الوهم؟!

فأقول: إن علماء الصرف إنما يبحثون عن الكلمات باعتبار الزمن الأخير الذي وصلت إليهم فيه، وحكمهم في ذلك صحيح لا مرية فيه، وعلماء سر اللغة إنما يبحثون عنها باعتبار الزمان الأول وهو زمن ظهورها شيئا فشيئا، وحكمهم في ذلك وإن كان في الغالب بطريق الظن إلا أنه لا يصادم حكم أولئك، فكم من زائد في أول الأمر حكم له من بعد بالأصالة! وكم من مركب في الابتداء صار مفردا في الانتهاء! وانظر إلى ميم «مكن»، فإنه لا يتوقف أحد من أهل الصرف عن الحكم بأنها أصلية، فإنها نظير ميم «مرن» و«مكث»، مع أن بعضهم قال: إنها مأخوذة من المكان وميمه زائدة، فهو مفعل من الكون، لكن لكثرته في الكلام توهموا أن ميمه أصلية؛ فأجروه مجرى فعال كزمان، وجمع على أمكنة، ثم أخذ منه «مكن» و«تمكن».

وانظر إلى همزة «إمعة»، وهو الذي يتابع كل أحد على رأيه ويقول له: «أنا معك.» ومنه قول ابن مسعود: «لا يكونن أحدكم إمعة.» وقد جاء في الأثر: «اغد عالما متعلما ولا تكن إمعة.» فإنهم حكموا بأنها أصلية فوزنه فعلة، مع أن الظاهر أنها زائدة دخلت على لفظ «مع»؛ فيكون وزنه أفعلة، قالوا: لأن أفعل وأفعلة لا يكونان وصفا.

ومثل ذلك تاء «تخذ»، فإنهم حكموا بأنها أصلية مع أنها كانت في الأصل زائدة، قال علماء اللغة: يقال اتخذوا في القتال بهمزتين؛ أي أخذ بعضهم بعضا، و«الاتخاذ» افتعال أيضا من الأخذ، إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدالها بالتاء، ثم لما كثر استعماله توهموا أن التاء فيه أصلية كتاء «اتبع»: فبنوا منه فعل بالكسر فقالوا: «تخذت زيدا صديقا.» إذا جعلته كذلك، ومصدره «تخذ» بفتح الخاء وسكونها، واستبعد بعضهم ذلك فجعل «تخذ» أصلا، وجعل «اتخذ» مأخوذا منه فهما بمنزلة «تبع» و«اتبع»، ومن دقق النظر تبين له أن البناء على التوهم لا يحصى في اللغة، وأن معظم اتساعها نشأ عن ذلك؛ ومغزى الكلام هنا أن الحكم على كلمة بكونها كانت مجردة ثم زيد فيها شيء لا ينافي الحكم عليها بأنها ليس فيها زائد؛ نظرا إلى الحال الحاضر.

الكافي في اللغة · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكافي في اللغةص ٦