فمن ذلك: «الجفاء» بالضم، وهو ما نفاه السيل؛ فإنه من: جفأ الوادي إذا رمى بالقذى والزبد، فإنه يذكر في باب الهمز، وأما «الجفاء» بالفتح وهو خلاف الصلة، فإنه يذكر في باب الواو؛ لأنه مصدر جفوته إذا هجرته، ومن ذلك «الداء» و«الدواء»؛ فإن الداء يذكر في باب الهمز؛ لأنه من ذوات الهمزة، ويجمع على «أدواء»، و«الدواء» يذكر في باب الياء؛ لأنه من ذوات الياء، ويجمع على «أدوية»، وأما الكتب الموضوعة للجمهور فإن مثل «برا» و«برأ»، و«ذرا» و«ذرأ»، و«جفاء» و«جفاء»، يذكر في باب واحد في فصل واحد.
نعم، قد يقع الإشكال في الأول في مثل «ابن» و«إثمد» و«أصبع»؛ فإن الهمزة فيها زائدة غير أن الإشكال فيه أقل.
والظاهر أن الذي دعا الجوهري إلى المسلك الذي سلكه مع أنه أصعب من المسلك الآخر هو رعاية جانب أهل الأدب؛ فإنه إذا جمعت الكلمات المتحدة الأواخر في باب تيسر لهم أن يقصدوه لمعرفة الكلم التي على روي واحد من غير مشقة ونصب، وذلك من المهمات في النظم والنثر الذي ينحى به منحاه، وقد جرت عادة كثير من الشعراء أن يعدوا القوافي قبل النظم، وأكثر ما يشكل في الشعر من الكلم في الأكثر: الكلم التي ترد في القوافي، ولا يخفى أن للقوافي شأنا غير شأن غيرها؛ حتى تغاضوا فيها عن ورود الغريب الذي لم يتجاوز الحد في الغرابة لمكان الاضطرار إليها، ويكفيك ما شاع من قول الناس: «هذا مما جرته القافية.» ويذكر أن بعض أهل الأدب عمل أبياتا في وصف مدامة شربها وذكر فيها أنها جعلته في العي يحكي فلان بن فلان، فسمع بذلك المهجو فقال له: لم هجوتني وأنا من أصدقائك؟ فقال: لأنك قعدت على طريق القافية.
وقد رأيت كتابا كبيرا في اللغة العربية رتبه صاحبه على القوافي إلا أنه فسر الكلمات فيه بالفارسية لإفادة الفرس، وإذا عرفت ما اختصت به الطريقة الجوهرية فلنذكر لك ما اختصت به الطريقة الجمهورية: وهي جمع الكلمات المتقاربة في اللفظ والمعنى في فصل واحد، وذلك أنه قد ثبت عند علماء الاشتقاق أن التقارب بين اللفظين يدل على التقارب بين المعنيين نحو: «قسم» و«قصم» و«قدر» و«قتر»، مما اتفق فيه الأول والثالث، واختلف فيه الوسط، ونحو: «صعد» و«سعد» و«قضم» و«خضم» مما اتفق الثاني والثالث واختلف الأول، ونحو: «أبد» و«أبق» و«بتر» و«بتك»، مما اتفق فيه الأول والثاني واختلف فيه الثالث، قال بعضهم في هذا النوع: وهو الذي يجمع في طريقة الجمهور في فصل واحد إذا أمعنت نظرك في التراكيب اللغوية وجدت بين كل كلمتين اتفقتا في الفاء والعين اتصالا؛ فإن تقارب اللامان في المخرج كان التقارب بين المعنيين أشد، وإن تباعدا كان التباعد بين المعنيين بقدر ذلك.
وأما أصل الاتصال فلا بد منه يظهر ذلك عند إمعان النظر، وذلك المعنى هو الجهة الجامعة لهما وإن خفيت، وقد ظهر من البحث والنظر أن تركيب الهمزة مع الباء يدل على النفور والبعد والانفصال، ويظهر ذلك في: «أب» و«أبد» و«أبق» و«أبى» ونحوها؛ فإن كل واحد منها لا يفارقه ذلك المعنى، يقال أب إذا تهيأ للذهاب، وأبدت البهيمة إذا نفرت وتوحشت، وأبق العبد إذا هرب من سيده، وأبى الرجل إذا امتنع، وإن تركيب الهمزة مع الزاي يدل على الضيق والشدة؛ ويظهر ذلك في: «أز» و«أزق» و«أزل» و«أزم» ونحوها، وأمثلة ذلك كثيرة وقد أوردوا ما يكفي للتدريب، وباقيه يحتاج إلى من يثيره من مكامنه، وكأن القائلين بهذا القول يذهبون إلى أن الأصل في هذا الباب هو حرفان وضعا لمعنى، ثم زيد عليهما حرف آخر ليدل على معنى آخر يكون بمنزلة النوع للمعنى الأول الذي هو بمنزلة الجنس لأنواع معاني الألفاظ التي نشأت عنه بالزيادة، وهذا بحسب الظاهر يخالف ما قرروه؛ فإنهم ذكروا أن ما كان على ثلاثة أحرف لا يحكم على حرف منه بالزيادة، وهذا كالمتفق عليه، قال سيبويه في كتابه: «وأما ما جاء على ثلاثة أحرف: فهو أكثر الكلام في كل شيء من الأسماء والأفعال وغيرهما مزيدا فيه وغير مزيد فيه؛ وذلك لأنه كأنه هو الأول فمن ثم تمكن في الكلام، ثم ما كان على أربعة أحرف بعده، ثم بنات الخمسة وهي أقل، لا تكون في الفعل البتة، ولا يكسر بتمامه للجميع؛ لأنها الغاية في الكثرة فاستثقل ذلك فيها.»